قصيد البردة في شرح عاشوري وترجمة طبيب جزائري

قصيد البردة في شرح عاشوري وترجمة طبيب جزائري


قصيد البردة في شرح عاشوري وترجمة طبيب جزائري من الأعمال ما لا تزيدها الأيام إلا جدة، تمضي عقود السنين وتتوالى لتصل إلى المئات وذكر تلك الأعمال في ارتفاع وعلو يقيض الله لها في كل عصر ومصر من ينشرها بين الناس ليعمم بها الانتفاع ويعظم بها الأجر لمن حضي بشرف القيام بتلك الأعمال، وما هذه الأعمال بالكثيرة وكذلك دائما شأن التميز. يصدق ما أقول على كل صنوف الإبداع الإنساني ويصدق أكثر ويرى ويلمس بالخصوص في عطاء الثقافة العربية الإسلامية الممتد لأكثر من أربعة عشرة قرنا. ذلك هو ما استوقفني - ولاشك انه استوقف غيري - وهو يتجول في أرجاء العالم الإسلامي ويتنقل حيث وجد مسلمون فلا عجب أن يلاحظ المرء حضورا للقرآن الكريم فهو كتاب الإسلام الأول ومعجزة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الخالدة، ولا عجب أن يرى انتشارا لدواوين السنة النبوية الطاهرة (صحيح البخاري وصحيح مسلم وموطأ الإمام مالك وكتب السنن الأخرى) فهي المبينة لوحي الله المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام (لتبين للناس ما نزل إليهم) فبين القرآن والسنة تلازم وتكامل وهما لا ينفكان عن بعضهما ولن يفترقا إلى قيام الساعة. ولكن العجب كل العجب أن تجد عملا أدبيا شعريا نظمه صاحبه في القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر ميلادي) لا يكاد يخلو منه بيت مسلم أينما كانت داره في بلاد العرب والإسلام أو خارجها، بل لا تكاد تجد من لا يحفظ عن ظهر قلب إما كل هذا القصيد (البردة) أو على الأقل أبياتا منه يستوي في ذلك الأمي الذي لا يحسن القراءة والكتابة والمتعلم، وتستوي في ذلك الأنثى مع الذكر والصغير والكبير، سبحان الله! ما السر في ذلك؟ لعمري إنهما الإخلاص والصدق فهما وراء هذا الانتشار الواسع والقبول الكبير. في كل مدينة وفي كل قرية وفي كل حي بل أكاد أقول في كل بيت إلا والأصوات تتعالى: فرادى وجماعات بمناسبة وبغير مناسبة وفي الأفراح والمسرات وحتى في المصائب والملمات، تتعالى مرددة أبيات قصيد البردة الخالد الذكر، هذا القصيد الذي لم يرتفع إلى مستواه ولم يستطع أن يغطيه ما صيغ قبله وبعده من غرر القصائد سواء كان ذلك في موضوعه (المديح النبوي) أو غيره من المواضيع التي تطرق ويتطرق إليها الشعراء في شعرهم. حقيقة إن ما كان لله دام واتصل، وحقيقة أن قصيد البردة لشرف الدين البوصيري هو من هذا القبيل، لقد خلد صدق من قيلت في حقه وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكرها ونشرها بين الناس مشرقا ومغربا حتى اتخذت من طرف البعض وردا ضمن تسابيحهم وأذكارهم وصلواتهم ودعواتهم فقد تضمنت كل ذلك بأسلوب بليغ جميل وبنورانية وبإشراقة لا تخفى على كل ذي بصيرة وذلك ما يحس به كل من يستمع إلى البردة تنشد بأعذب الأصوات وأطربها أو وهو يقرأ أبياتها متوقفا عند كل مقطع من مقاطعها. إن في أمر البردة سرا لا يخفى وإلا فلم كل هذا القبول؟ ولم كل هذا الإقبال على قراءتها واقتناء مختلف نشراتها؟ وما السر وراء انكباب العلماء مشرقا ومغربا على كتابة الشروح المطولة عليها واتخاذها منطلقا للكتابة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ إنها شروح عديدة بين المختصر المقرب لما غمض من ألفاظها كذلك الذي درج على طباعته وتوزيعه على الناس بمناسبة ذكرى المولد النبوي فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله وخصوصا أولئك الذين يشهدون الحفل العام البهيج الذي يقام صبيحة يوم المولد النبوي بجامع الزيتونة المعمور والذي يحرص على حضوره وشهوده أهل تونس العاصمة وما قرب منها بمختلف فئاتهم وأجيالهم. في سنة تونسية حميدة موصولة منذ عهود بعيدة. وهي أيضا –أعني شروح البردة- مطولة مستفيضة تفرغ لصياغتها علماء أعلام من شيوخ الجامع الأعظم تضمنت عصارة ما حصلوه من علوم محققة مدققة جعلوا من شرح قصيد البردة منطلقا لها تبركا واستمدادا وكان لهم بفضل الله ما أرادوا –ذلك هو ما يصدق بحق وبدون مبالغة على هذا العمل الذي هو جدير بأن يدرج ضمن سلسلة الإصدارات التي تشرف عليها وزارة الثقافة والمحافظة على التراث أعني بها سلسلة “أمهات الكتب” والذي أنجزته دار الجنوب للنشر بتونس، إنه كتاب : “شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح” من تأليف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله وهو قاضي تونس ومفتيها توفي سنة 1284هـ/1868م وهو جد سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله المتوفى سنة 1393هـ/1973م شيخ الجامع الأعظم وصاحب تفسير التحرير والتنوير وكتابي مقاصد الشريعة وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام وغيرهما، وقد علق سماحة الشيخ الإمام على كتاب جده (شفاء القلب) بينما تولى مراجعته والتقديم له كل من الأستاذ عبد الوهاب الدخلي والدكتور جمال الدين دراويل وما كان لهذا العمل الذي ظل حبيس المكتبات الخاصة في طبعتيه الأولى بمصر والثانية بتونس لولا أن تفضل مشكورا الأستاذ الدكتور محمد العزيز بن عاشور وزير الثقافة السابق بوضع نسختي الطبعتين المصرية والتونسية القديمتين والنادرتين واللتين تتضمنان تعليقات سماحة الشيخ الإمام فوضعهما جازاه الله خيرا على ذمة المراجعين والدار الناشرة حتى تعم بهذا العمل العلمي المتين الفائدة، فهذا الشرح ضم فيه مؤلفه أحسن ما انتهى إليه وجاء به من سبقوه من العلماء الأعلام وأضاف إليه ما خفي وغاب عنهم مما توصل إليه وفتح به الله عليه –والرجل رحمه الله من أهل الذوق فضلا عن انه من أهل التحقيق والتدقيق- يشهد على ذلك انه لا يمر على بيت من أبيات البردة إلا بعد أن يأتي على كل ما يتصل بكلماتها واستعمالاتها اللغوية والبلاغية والإعرابية النحوية والصرفية مستدلا على ذلك بالشواهد القرآنية والحديثية والشعرية مقررا كل ما يتصل بها من المسائل الإعتقادية والأحكام الشرعية مضيفا إلى كل ذلك ما يدعم الأحوال الذوقية الروحية من كلام كبار القوم أعني أعلام الزهاد والنساك والمتصوفة العارفين بالله. وقصيد البردة تصب في واديهم الذي هو مشرب كل العلماء الأعلام قديما وحديثا إلا من أبى، فالبردة هي في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم ترسيخا لمحبته صلى الله عليه وسلم في القلوب والتي هي سفينة النجاة وزاد المسلم في سعيه للوقوف بين يدي ربه وكل هذه المعاني وما اتصل بها أسهب فيها وتوسع واقتنع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الجد رحمه الله. ومثلما تعددت شروح البردة للإمام البوصيري فإن ترجماتها إلى اللغات الأجنبية عديدة أيضا تعود أولاها إلى القرن الثامن عشر (وقد ترجمها إلى اللاتينية الهولاندي أوري سنة 1761 وترجمها دوساسي إلى الفرنسية في باريس سنة 1822 وترجمها إلى الألمانية دوهامر في بودابست سنة 1822 وترجمها إلى الانقليزية فيض الله في بومباي سنة 1893) وترجمت البردة إلى الايطالية والاسبانية والتركية والفارسية والبربرية وغيرها من لغات الشعوب الإسلامية في إفريقيا وآسيا الوسطى والشرقية. وكل هذا الانتشار والقبول ليس من ورائه إلا إخلاص ناظمها الإمام البوصيري وكذلك ما حاز عليه من سبق وإبداع وتميز اعترف له به القاصي والداني من عاصروه ومن جاء بعدهم. لقد حققت البردة شبه الإجماع ولأجل ذلك فان الأصوات التي حاولت النيل من صاحبها والتشكيك في سلامة وصحة مضامينها ظلت قليلة جدا ليصح على البردة وما هو على شاكلتها من الأعمال العلمية والفكرية التي خلد التاريخ ذكرها أن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، إذ ألسنة الخلق أقلام الباري وإذا أحب الله عبدا نادى مناد من عند الله في السماء والأرض إن الله يحب عبده فلانا ألا فأحبوه. بين يدي ترجمة إلى الفرنسية لقصيد البردة أنجزها الدكتور أحمد شريد طبيب جزائري يقيم في فرنسا، في مدينة مرسيليا، في ترجمته الموجزة المنشورة في آخر (ترجمة البردة) أنه من الجيل الثامن والعشرين من أشراف الجزائر الذين ينتسبون إلى سيدنا الحسن بن علي وفاطمة رضي الله عنهم، وهو أستاذ اختصاصي في الباثلوجيا، علم الأمراض البشرية والمقارنة بكلية الطب اختصاصي في أمراض الجلد والتناسلية مسؤول بالمستشفيات وعالم في الرياضيات وخبير في التقييم المعياري وحامل جائزة البحث العلمي الطبي (1996) وباحث في بيولوجيا الخلايا والجزيئات الكيماوية للكبد (بالمعهد الوطني للبحث العلمي الطبي) وباحث في علم التطور البشري الأحفوري وباللجنة الوطنية للبحث العلمي كل ذلك بفرنسا، فالرجل أي (الدكتور أحمد شريد) في قمة الهرم العلمي ليس فقط في فرنسا بل في الولايات المتحدة الأمريكية، وللتثبت من تواصل عطائه واكتشافاته العلمية الطبية والرياضية فما على المهتمين بذلك إلا أن يفتحوا موقعي الأنترنات بالانقليزية في الولايات المتحدة وبالفرنسية الخاصين به ليتثبتوا بأنفسهم إلى أن الدكتور أحمد شريد الجزائري الأصل المغاربي الانتماء، العربي والإسلامي الهوى والمشرب، الصوفي الإحساني الذوق لقد جمع الله له وفيه بين التبحر في العلوم الدقيقة في آخر ما توصلت إليه هناك في الغرب المتقدم وبين العمق الكبير والاطلاع الواسع على مختلف نواحي الثقافة الإسلامية: لغة وأدبا شعرا ونثرا في الجاهلية وبعد الإسلام، وعقيدة وفقها وتفسيرا تدل على كل ذلك هذه الترجمة التي أعدها لقصيد البردة الإمام البوصيري وقد قدم لهذه الترجمة بمقدمة ضافية بين فيها صعوبة الترجمة وضرورة أن يكون القائم بها متقنا اتقانا كافيا للغتين: المترجم منها والمترجم لها ومع ذلك فإن ترجمة النصوص ذات الصبغة الدينية هي أصعب ما تكون ويكاد الأمر يكون مستحيلا بالنسبة لنص كريم كالقرآن الكريم الذي ذهب بعض العلماء إلى القول بعدم جواز ترجمته لما يخشى من تحميل النص القرآني ما لا يقتضيه. ويمثل الدكتور أحمد شريد على صعوبة الترجمة من اللغة العربية ببعض الأمثلة الإحصائية التي تبين سعة اللغة العربية وكثرة مرادفات كلماتها (الأسد: 350، الحصان أكثر من 250، السيف 200، الجمل أكثر من 100، الريح 100، الخمر 100، الظلام 50، النور 20، العين20) ويمضي الدكتور أحمد شريد مبينا بأسلوب العالم المدقق المحقق ضرورة اجتناب الترجمة الحرفية المخلة والتي قد تؤدي إلى العكس من المراد والمطلوب ويصدق هذا الأمر على الشعر وعلى قصيد في متانة وعمق وروحانية البردة التي صيغت في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والذي انتساب المترجم إليه وانحداره من نسبه الشريف كان من عوامل دفعه إلى ترجمة البردة إلى اللغة الفرنسية إضافة إلى ما تتضمنه البردة من مضامين أدبية وتاريخية وفلسفية اعتبرها الدكتور أحمد شريد تكاد تكون غير معلومة تماما خارج الإطار العربي الإسلامي في حين أن البردة تمثل عملا إنسانيا رفيعا وهي جديرة بأن يعمم التعريف بها. لقد اختار الدكتور أحمد شريد قصيد البردة على سواها ليقدم من خلالها الإسلام ونبي الإسلام وهديه عليه الصلاة والسلام. إن الدكتور أحمد شريد ومن خلال موقعه العلمي الرفيع جدا أراد أن يلفت أنظار قراء الفرنسية إلى عظمة الإسلام وعبقرية حضارته وثقافته والى إنسانيتها وعالميتها كل ذلك من خلال نص قصيد البردة الواسع الانتشار والقبول عبر الزمان والمكان، فهو يجعل من البردة تحتل المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة النبوية بين كل المسلمين بمختلف لغاتهم وفئاتهم وأجناسهم وكفى بهذه المرتبة شرفا وأهمية وجدارة بأن تختار لتترجم ولتعمم الاستفادة منها وبها، وأقول بها لأن الدكتور أحمد شريد لا يتأخر عن إيراد حتى ما يعتبره العقلانيون من قبيل الخرافة! وهو في الحقيقة والواقع لا يخرج عن الممكن مما يجري في هذا العالم ولا يعرف الإنسان والعالم بالخصوص كنهه، فلا يملك المنصف المتجرد إلا أن يسلم بإمكانية وقوعه. إن الدكتور أحمد شريد يورد في ترجمته قصة الإمام البوصيري مع قصيد البردة وكيف أنه مرض بمرض شل نصفه فنظم البردة وشكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله فرآه عليه الصلاة والسلام في المنام (ورؤيته صلى الله عليه وسلم ورد بها الحديث الشريف الصحيح: من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي) ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة على مكان علة الإمام البوصيري فشفاه الله ونهض البوصيري من نومه سليما معافى واعترضه في طريقه “فقير” (وهو لقب يطلقه السالكون لطريق الله على أنفسهم تواضعا وتجردا) فقال له ناولني القصيد الذي قلته في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال البوصيري أي قصيد؟ ولم يعلم أحد بخبر هذا القصيد فقال الفقير: الذي سمعتك تنشده إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك ناوله قصيد البردة. ولا يكتفي الدكتور أحمد شريد بإيراد هذه الجزئية وغيرها مما يدل على اطلاعه الواسع ومعرفته بالتاريخ والسيرة والأدب والشعر ولأجل ذلك فقد جاءت ترجمته للبردة عبارة عن تقديم ضاف واف لرسالة الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مما قد لا يقدر عليه أهل الذكر من المختصين في مختلف فروع الثقافة الإسلامية من خريجي الجامعات والكليات الشرعية، ولكن الدكتور لأحمد شريد استطاعه بجدارة واقتدار وبأسلوب متين وأضاف إليه ما توصل إليه العلم في مختلف مجالاته وميادينه بحيث نجد في هذه الترجمة إشارات للإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة كل ذلك بإحالات وتخريجات وتعليقات مفيدة وفي عدد من الصفحات لم يتجاوز الثمانين ضمت إلى جانب ذلك نص البردة باللغة العربية مشكولا مرقما لأبياتها المائة والستين.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.