في رياض السنة:ما يحقق بر الوالدين بعد موتهما
عن أبي أسيد (بضم الهمزة وفتح السين) مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء ابرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم الذي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما" رواه أبو داود) يبدأ هذا الحديث الشريف بما يشبه حديث عمر بن الخطاب المعروف بحديث جبريل عليه السلام والذي فيه وفي هذا الحديث الذي بين أيدينا وصف لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (بينما نحن جلوس عند رسول الله) وفي الحديثين وفي غيرهما بيان أن الصحابة كانوا يجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يفعلون ذلك والجلوس معه عليه الصلاة والسلام تتحقق به للجالس مرضاة ربه، فهو عليه الصلاة والسلام من يرشد إلى الخير بقوله وفعله بل وبإشاراته وحتى بصمته، وحتى بنظره وكيف لا وهو الذي يرى بنور الله؟ ومجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مجلس يذكر بالله. وقد خشي الصحابة رضي الله عنهم على أنفسهم من بعده وسألوه: (من نجالس بعدك يا رسول الله؟ فقال لهم: جالسوا من تذكركم بالله رؤيته وتزهدكم في الدنيا سيرته). جاء هذا الرجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمل صالح مبرور، ومثل هذه الأسئلة تتكرر من الصحابة وكانوا يسألونه عن الخير كما يسألونه عن الشر. قال أحد الصحابة (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه). والسؤال عن الخير وعن الشر مشروع بل مطلوب وقد قال جل من قائل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) والسؤال الذي يكرهه الله لعباده هو السؤال لذات السؤال وليس لغاية الوصول إلى الحق والتوجه صوب العمل. فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال). فالسؤال المطلوب والمشروع هو السؤال الذي يقصد منه معرفة الحق من الباطل والخير من الشر والحلال من الحرام. أما السؤال في غير ذلك والذي لا فائدة من ورائه فقد نهى الله تبارك وتعالى عنه حيث يقول جل من قائل: (لا تسألوا عن أشياء إذ تبدلكم تسؤكم). سؤال هذا الرجل من بني سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد به ويرجو من ورائه معرفة (هل من بر لأبويه يبرهما به بعد موتهما؟) وهو سؤال وجيه باعتبار أن آية كريمة من كتاب الله العزيز تقول (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) بما يعني ظاهرا أن عمل الإنسان الصالح أو غير الصالح ينتهي بمغادرته هذه الحياة الدنيا، ولكن هذا النص العام مقيد ويخصصه نص آخر هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به) وهذا الحديث يدخل في هذا الإطار بحيث أن الولد الصالح يمكنه أن يبر والديه في حياتهما كما يمكنه أن يبرهما بعد وفاتهما. سأل أبو أسيد مالك بن ربيعة: هل بقي من بر أبوي شيء ابرهما به بعد موتهما؟ وبر الوالدين من أعظم أبواب الطاعة وهو يأتي مباشرة بعد الإيمان بالله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) وبر الوالدين وطاعتهما وحسن معاشرتهما والإحسان إليهما (يخفض جناح الذل لهما) ضرب من ضروب الجهاد (ففيهما فجاهد) أجاب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاءه مستأذنا في الخروج للجهاد. وعكس البر هو العقوق يتسبب في غضب الله بحيث لا يقبل من العاق صرفا ولا عدلا. وقد جعل الله الجنة تحت أقدام الأمهات، وجعل الله تبارك وتعالى من بر الوالدين سببا في تفريج الكروب وقضاء الحاجات في عاجل الحياة الدنيا. وترهيبا من العقوق وعواقبه. أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن (دعوة الوالد على ولده لا ترد). أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد مالك بن ربيعة: * نعم يمكن بر الوالدين بعد موتهما وذلك بالصلاة عليهما أي بالدعاء لهما بالرحمة والغفران وسكنى الجنة، والصلاة في اللغة تعني الدعاء وهي في جوهرها ونهاية مطافها دعاء صادق حار خالص لله رب العالمين (فاسجد واقترب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ويمكن للولد البار أن يستغفر لوالديه بمعنى يطلب لهما من الله غفران الذنوب والسيآت وطلب ذلك من الله الذي هو على كل شيء قدير ويقول للشيء (كن فيكون) والذي أمر بالدعاء ووعد بالإجابة. والاستغفار من أعظم مظاهر الطاعة والعبودية الدالة على الافتقار إلى الله وهل هنالك من هو في غنى عن ربه وخالقه ومولاه؟ فهو ساتر العيوب وغافر الذنوب، يستغفر المسلم ربه لنفسه ويستغفر الله لأحب الناس إليه وأكثرهم إحسانا إليه وهما أولى الناس بطلب المغفرة لهما وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح الباب للأبناء كي يستغفروا الله لوالديهم. * ومن البر بالوالدين بعد وفاتهما إنفاذ عهدهما في المعروف فذلك من حقهما ومن آمالهما التي كانا يودان تحقيقها ولكنهما توفيا دون أن يحققا ذلك فمن البر بهما إنفاذ عهدهما. * ومن البر بالوالدين بعد وفاتهما صلة الرحم التي لا تصل إلا بهما، إذ الرحم من الرحمان تنادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، وصلة الرحم تزيد في العمر (بمعنى تبارك فيه). * ومن البر بالوالدين بعد وفاتهما إكرام صديقهما ولا يخفى ما في ذلك من أصالة ووفاء وما فيه من تمتين للعلاقات ومن التواصل بين أفراد المجتمع وهي قيم عمل الإسلام بهدي سيد الأنام عليه الصلاة والسلام وارشد المسلمين إليها لما في ذلك من تواصل وتراحم فيه ولا شك مرضاة الله ورسوله.