في رياض السنة:بر الوالدين عمل صالح يفرج به الكرب

في رياض السنة:بر الوالدين عمل صالح يفرج به الكرب


عن أبي عبد الرحمان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وان أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه...) قسم من حديث ختم به الإمام النووي باب الإخلاص وإحضار النية من كتاب رياض الصالحين. وهو حديث تضمن من الدقائق والحقائق والإشارات وهو من قبيل القصة الواقعية إذا لا وجود لأسطورة فيما قصه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ولا فيما قصه القرآن الكريم من قصص إذ ما كان القرآن حديثا يفترى. والموعظة بالقصة والحادثة فيها من التأثير ما لا يخفى فالإنسان في حاجة إلى التمثيل له بالوقائع واثر ذلك كبير على الأنفس توخاه القرآن وتوخته السنة النبوية وفي هذا الحديث دلالة قطعية على أن ما جاءنا به رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لا يناقض ولا يعارض ما جاء به الأنبياء السابقون فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ وقصة هؤلاء الثلاثة اتخذها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- موعظة وعبرة وفي إيرادها دعوة لامته للاقتداء بهؤلاء الثلاثة الذين اخلصوا العمل لله رب العالمين فجازاهم في الدنيا قبل الآخرة ونجاهم في الدنيا قبل الآخرة بأعمالهم الصالحة الخالصة مما وقعوا فيه من ضيق وكرب عظيم فلا ينفع الإنسان إلا ما قدمه من عمل صالح خالص لوجه الله. راوي هذا الحديث هو أبو عبد الرحمان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما اسلم بمكة قبل الهجرة، لم يشهد بدرا لصغر سنه ولم يتخلف بعد ذلك عن سرية من سرايا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-. قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لأخته حفصة أم المؤمنين (إن أخاك رجل صالح لو انه يقوم الليل) فلم يترك قيام الليل بعد أن سمع ما قاله في حقه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقد كان رضي الله عنه ممن يستمع القول فيتبع أحسنه كان من فقهاء الصحابة وكان زاهدا وكان كثير الحج إلى بيت الله الحرام (قيل حج ستين حجة) مات بمكة سنة ثلاث وسبعين للهجرة عن ست وثمانين سنة رحمه الله. قال أبو عبد الرحمان عبد الله بن عمر سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول “انطلق ثلاثة نفر” والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة ممن كان قبلكم من الأمم السابقة حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وكل ذلك واضح جلي فان هؤلاء الثلاثة من الرجال كانوا في سفر فأدركهم الليل فدخلوا كهفا (غارا) ليناموا وينالوا نصيبا من الراحة فإذا بصخرة تنزاح من فوق الجبل فتسد عليهم باب الغار. فقالوا: (انه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم) لقد أدرك هؤلاء النفر انه لا نجاة لهم من الهلاك المحقق إذ لا احد يسمع صراخهم فيهب لنجدتهم إنهم بمنأى ومعزل من الناس فلا نجاة لهم إلا بأن يدعوا الله السميع المجيب القريب ممن يدعوه فهو سبحانه وتعالى من يجيب دعاء المضطر (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) انه الله القريب (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) لقد أدرك هؤلاء الثلاثة أن الله الذي هو على كل شيء قدير. (فقالوا انه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم). ودعاء الله بصالح الأعمال وأخلصها والتوسل إليه سبحانه وتعالى بذلك يتحقق به المراد. (قال رجل منهم) قدم هذا الرجل تشريفا وتعظيما للعمل الذي دعا الله به وهو بر الوالدين فقد جعله الله تبارك وتعالى في المرتبة الثانية بعد عدم الشرك بالله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) واعتبره رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بابا من أبواب الجهاد حين قال لمن جاءه يستأذن في الخروج للجهاد في سبيل الله فقال: هل والداك على قيد الحياة؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد. والآيات والأحاديث كثيرة في الوعد لمن كان بوالديه بارا والوعيد لمن كان لهما عاقا والعياذ بالله نسأل الله السلامة. قال الرجل الأول إن أبويه كانا كبيرين شيخين وهي المرحلة التي يحتاجان فيها إلى البر بهما وحسن المعاشرة لهما وخفض جناح الذل لهما (الأبوان) الأب والأم من قبيل التغليب (لا أغبق) لا أقدم في شرب الماء قبلهما أهلا من زوج وأبناء ولا مالا من رقيق وخدم، خرج هذا الرجل يرعى فابتعد في طلب الكلأ ولم يرجع إلى أبويه إلا وهما نائمين ولم يشأ أن يزعجهما (فكرهت أن أوقظهما) (وان أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي) هكذا يصور هذا الرجل صنيعه وحرصه على راحة أبويه وحرصه أيضا على أن لا يقدم عليهما أحدا من زوجه وولده وماله فللوالدين عنده الأولوية كلفه ذلك ما كلفه حتى لو بقي عند رأسيهما يحمل القدح على يديه وفيه اللبن الذي لأبويه فعل ذلك وظل في سهر ويقظة وهو المتعب من رعيه لغنمه التي طوحت به بعيدا ولكن حرصه الشديد على بر أبويه ورد بعض جميلهما دفعه كل ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى الذي دعا إلى بر الأبوين وطاعتهما ومصاحبتهما بالمعروف كي يبقى ينتظر استيقاظهما (والصبية يتضاغون) أي أبناؤه يصيحون من الجوع وهو لا يقدمهما على أبويه، هذا الصنيع الجميل وها البر الحقيقي والفعلي-فصراخ الأولاد جوعا عند قدمي أبيهم (عند قدمي) من شأنه أن يجعله إما يقدم الأبناء على الأبوين أو يوقظ الأبوين من نومهما ومع ذلك فانه لم يفعل شيئا من ذلك (فاستيقظا فشربا غبوقهما) عندما استيقظ الأبوان بصفة تلقائية ناولهما ابنهما البار بهما غبوقهما، شربا نصيبهما من اللبن عند ذلك قال هذا الرجل: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه) يا له من فرج عاجل جاء استجابة لتوسل بعمل صالح خالص لوجه الله.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.