في رياض السنة:الحج المبرور يهدم ما قبله

في رياض السنة:الحج المبرور يهدم ما قبله


عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال (فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه. قال فقبضت يدي قال: "مالك يا عمرو؟ قال: قلت أردت أن اشترط قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي: قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله) رواه مسلم. هذا الحديث الشريف الذي يرويه الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه والذي هو من كبار رجالات العرب والإسلام عرف بحنكته وبعد نظره وهو لئن تأخر إسلامه إلا انه عندما اسلم حسن إسلامه مثل الكثير من أمثاله الذين كانوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خياركم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وعندما اسلم عمرو بن العاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اسلم الناس وآمن عمرو) وما ذلك إلا للشروط التي اشترطها والتي أراد بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمن له أن لا يحاسب على ما كان أتاه في جاهليته قبل إسلامه وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم شرطه وبايعه على شرطه. وقد تعرض هذا الحديث إلى تبشير رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اخبر أن الدخول في الإسلام واعتناقه يهدم ما كان قبله مما قد يقع إتيانه قبل ذلك من اعتناق الإسلام من ذنوب ومعاص وسيئات كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الهجرة (من مكة إلى المدينة) تهدم ما قبلها مما وقع إتيانه قبل ذلك، واخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحج إلى بيت الله الحرام يهدم ما كان قبله. وما نريد أن نتوقف عنده (وأن الحج يهدم ما كان قبله) فآداء المناسك التي تمثل أعمال الحج والتي تلقتها الأمة جيلا عن جيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حج بالناس وعلمهم مناسك الحج وقال (خذوا عني مناسككم فلعلكم لا تلقوني) وفعلا فقد كانت حجة وداع لم يترك فيها عليه الصلاة والسلام خيرا إلا وارشد الأمة إليه ولم يدع شرا وضررا إلا وحذر أمته منه ووقف يعلن كمال الدين وتمامه تاليا على مسامع الحاضرين ومن سيأتي بعدهم قول ربه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) قائلا عقب كل فقرة من فقرات خطبته الجامعة (ألا هل بلغت اللهم فاشهد ألا هل بلغت اللهم فاشهد). لقد كان الحج منذ ذلك التاريخ أحد أركان الإسلام الخمسة التي عليها بني صرحه (شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع) وهذه الأركان هي حق الله على عباده (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وبهذه العبادات تتحقق للمسلم مرضاة الله (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه) وهذه العبادات تتحقق بها للمسلم منافع وفوائد كثيرة بينتها بتوسع كتب التفسير وشروح الحديث والفقه وغيرها من فروع الثقافة الإسلامية. والحج الذي يؤدي مناسكه عدد من المسلمين ممن أكرمهم الله ليكونوا ضيوفه مثله مثل بقية أركان الإسلام وأوامره إذا ما أدي على أحسن الوجوه وأتمها وهي لا تكون إلا كذلك إلا إذا ما وافقت الصواب بمعنى الإتباع الذي هو شأن كل العبادات (صلوا كما رأيتموني اصلي) و(خذوا عني مناسككم) وكانت خالصة لوجه الله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ذلك أن الله غني عن عباده (لا يغفر أن يشرك به) غيره في أي عمل من الأعمال إذ ينادي مناد يوم القيامة (اذهب إلى من أشركته بي فليجازيك اليوم) فكل العبادات ينبغي أن تمحض لله وحده وكذلك كل الطاعات والقربات وهذا الإخلاص يبدو في الحج جليا بداية من صيغة التلبية التي هي توحيد خالص (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة له والملك لا شريك لك) ويتجلى الإخلاص لله شكلا ومضمونا في الحج أجمل تجل، بالتجرد من الحول والطول والتجرد من المخيط والمحيط والامتزاج الكامل الذي يترك فيه الحاج كليا الدنيا وراء ظهره ضاربا عرض الحائط بكل مظاهر التنعم والتزين والتمتع أشعث اغبر ويبلغ هذا الترقي الروحي للحاج قمته ومداه الأقصى يوم عرفات ذلك اليوم المشهود الذي يتجلى فيه الله على الحجيج ويباهي بهم ملائكته ويقول (هؤلاء عبادي أتوني من كل فج عميق شعثا ألا أشهدكم يا ملائكتي إني قد غفرت لكم) فيرجعون من ذلك اليوم المشهود كيوم ولدتهم أمهاتهم ولا يرى إبليس اللعين أحقر منه وأضأل منه كما يرى يوم عرفة ويظفر الحجيج من ربهم بهذه العطية العظيمة التي لا تساويها عطية إنها محو السيئات والخطايا والتجاوز عن الزلات. وحق للحاج أن تكون فرحته عارمة وسروره لا حد له، إنها صفحة من سيئاته قد طويت ومحيت ووقع العفو عنه والصفح عما قدمت فيها يداه وما أكثر ما بضعف الإنسان في حياته وما أكثر ما يذنب وبآداء هذا الركن من أركان الإسلام الحج إلى بيت الله الحرام يهدم كل ما كان قبله. أيستكثر بعد ذلك حاج فائز بهذه الجائزة ما أنفق في سبيل أداء الحج من أموال وما صرفه من وقت وما اجله من أعمال؟ كلا وألف كلا فالجائزة كبرى، إنها عودة الحاج من حجه كيوم ولدته أمه. صفحة بيضاء ما عليه بعد ذلك في ما بقي من عمره بأن لا يكتب فيها إلا ما يرضي ربه فلا يسودها بالذنوب والخطايا وإلا فإن حاله هي كحال من بنى ثم هدم ما بنى والعياذ بالله. وفي سبيل جعل حج الحاج مبرورا توالت الأحاديث النبوية التي تحذر من مغبة العودة إلى ما كان يأتيه الحاج قبل الحج من المعاصي وبينت هذه الأحاديث متى يكون الحج مبرورا والسعي مشكورا وذلك ليكون الحاج على بينة من أمره من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام عن أبي هريرة فيما يرويه البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وعنه (أبي هريرة) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) عن مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ترى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: لا ولكن أفضل الجهاد حج مبرور) والحج المبرور علامته أن يكون عمل الحاج بعد حجه أفضل من عمله قبل الحج.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.