في رحاب القرآن: تفسير سورة “الماعون”: التكذيب بيوم الدين ومستلزماته
بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى “أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون”صدق الله العظيم سورة الماعون من السور المكية وهي من قصار السور المليئة بالمعاني المركزة للعقيدة والمرسخة للإيمان والناهية النهي الشديد عن كل ما يمكن أن يحبط الأعمال ويفسدها ويجعلها مردودة على صاحبها، في هذه السورة وفي غيرها من شبيهاتها في كتاب الله العزيز حرب شديدة على كل ما كان الناس عليه قبل مجيء الإسلام وبعثة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام من التصرفات والأفعال الجاهلية سواء كان ذلك في الأخلاق أو في المعاملات. والخطاب في مفتتح سورة الماعون موجه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام “أرأيت الذي يكذب بالدين” أريت يا محمد من يكذب بالدين أو بيوم الدين يوم الحساب والوقوف بين يدي الله الذي هو آت لا محالة (إن إلى ربك الرجعى) فالمصير هو إلى الله والوقوف بين يديه لا مفر من ذلك فالله تبارك وتعالى سيبعث أهل القبور بعد أن صاروا ترابا، انه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وما على الذين ينكرون إمكانية ذلك ويعتبرونه مستحيلا ما عليهم إلا أن يلتفتوا إلى أصل نشأتهم فقد كانوا بعد أن لم يكونوا موجودين فالله سبحانه وتعالى الذي (يقول للشيء كن فيكون) هو الموجد من عدم وهو سبحانه وتعالى من سيبعث من في القبور وهذه الحقيقة ركن من أركان العقيدة (إن الله يبعث من في القبور) تكرر التذكير بها والتركيز عليها وإقامة الحجج القوية للإقناع بها في كثير من سور القرآن من ذلك قوله جل من قائل في سورة يس (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأنها أول مرة وهو بكل خلق عليم). ويلفت الله تبارك وتعالى أنظار المؤمنين إلى أن من مستلزمات إنكار يوم الدين والبعث أن أصحاب هذا الموقف هم أيضا من يسيؤون معاملة الأيتام فيأكلون أموالهم بالباطل ويسلطون عليهم كل صنوف القهر والإهانة مستغلين ضعف هؤلاء الأيتام وعدم قدرتهم على حماية حقوقهم والدفاع عنها يقول جل من قائل (فذلك الذي يدع اليتيم) الذي يقهر اليتيم ولا يحسن إليه ولا يرحمه بمده بكل ما يحافظ على حياته من طعام وغيره وهذه الفئة من فئات المجتمع (الأيتام) اعتنى بها الإسلام عناية كبرى وأولاها اهتمامه الشديد مثلها مثل بقية الفئات الضعيفة كالنساء والشيوخ وغيرهم باعتبار أن الرحمة والرأفة والإشفاق هي كلها من علامات الإيمان ومن مظاهر تجسيمه الفعلي في حيز الواقع. فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو في الخلق العظيم والأدب الرفيع ومع ذلك فإننا نقرا في كتاب الله العزيز توجيه الله تبارك وتعالى له كي يعامل اليتيم معاملة حسنة وعدم قهره وإذلاله (فأما اليتيم فلا تقهر) ولا يتصور من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقهر يتيما أو ينهر سائلا أو يتسلط على احد من خلق الله ومع ذلك فان الله تبارك وتعالى يخاطبه تشريفا ويخاطبنا معاشر المسلمين تكليفا بقوله جل من قائل (فأما اليتيم فلا تقهر) فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش يتيما وذاق مرارة اليتم رغم الرعاية التي أولاه بها جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب وقد وردت في حسن معاملة اليتيم والتحذير من الإساءة إليه أحاديث عديدة من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه) ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم الأجر وجزيل الثواب من يحسن إلى اليتيم فمن مسح على رأس يتيم حنانا ورأفة وإشفاقا عليه ورعاية له له من الحسنات بعدد الشعرات التي مرت عليها يده وقال عليه الصلاة والسلام (أنا وكافل اليتيم كهذين وأشار إلى إصبعيه). وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته في مجال رعاية اليتيم المثال والقدوة فقد كان يخرج في أيام العيد فيقف عند جموع الأطفال ويحتضن طفلا من بينهم رأى فيه انكسارا علم انه يتيم ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله وخصه برعايته وبمثل ما دعا الإسلام إلى حسن المعاملة والمعاشرة ومد يد المساعدة المادية فانه حذر التحذير الشديد من أكل أموال اليتامى واستغلال ضعفهم وصغر سنهم للاستحواذ على حقوقهم التي ورثوها عن أبائهم وأمهاتهم وكثيرا ما يقع مثل هذا التعدي بين الأقارب وهو كبيرة من الكبائر وهو أكل أموال الناس بالباطل، وهو سحت ونار والعياذ بالله من يأتي هذه الكبيرة له العذاب الشديد من الله تبارك وتعالى. * ومن مستلزمات إنكار البعث والتكذيب به عدم رحمة المساكين والإشفاق عليهم فالمكذب بيوم الدين غليظ شديد لا يرحم ولا تمتد يداه بالعطاء، لا يفرج كرب مكروب ولا يحس بآلام متألم ولو كان مؤمنا بالله ولو كان مسلما صادق الإسلام لكان رؤوفا ورحيما ورفيقا ولأمتدت يداه بالبذل والعطاء تفريجا لكروب المكروبين تحصيلا للأجر والثواب (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء) (الراحمون يرحمهم الرحمان) فالمؤمن أخ المؤمن ولا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه فمن لا يرحم لا يرحم ومن صفات المؤمنين أنهم رحماء بينهم (رحماء بينهم) * ثم يقول جل من قائل (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال عطاء بن دينار (الحمد لله الذي قال “عن صلاتهم ساهون” ولم يقل في صلاتهم ساهون) وفرق بين الأمرين لأن السهو في الصلاة وارد ويمكن أن تعتري المصلي غفلة وهذا حاصل منا جميعا ونسال الله تبارك وتعالى أن يغلبنا عليه ولا بد فيه من المجاهدة والصبر والمصابرة وبإذن الله لا بد أن ننتهي إلى تذوق حلاوة مناجاة الله في الصلاة وبالصلاة فالمصلي هو في مقام القرب (فاسجد واقترب) يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) * “فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون” الويل هو العذاب الشديد أو هو واد في جهنم هذا الويل هو لأولئك الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتهم فالصلاة لها وقت معلوم (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) ويشمل السهو عن الصلاة عدم أدائها مستوفية لشروطها وأركانها بما في ذلك الخشوع والتفكر واستحضار عظمة الله وجلاله وأخذه أخذ الشديد المقتدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله قليلا) * ثم يقول جل من قائل (الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) إن من يكذبون بيوم الذين ويقهرون اليتيم ولا يطعمون المسكين ويغفلون عن صلواتهم فلا يبادرون إلى أدائها في أوقاتها مستوفية لشروطها وأركانها التي بها تؤتي ثمرتها هم أيضا من يراؤون والمرائي هو من لا يبتغي بعمله وجه الله، المرائي هو من يراقب الناس ويسعى لإرضائهم ونيل شكرهم واستحسانهم لأعماله يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء اذهب إلى من أشركته به فليجازيك اليوم) يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سمع الناس بعمله سمع الله به وحقره وصغره) والأحاديث في الرياء والتظاهر كثيرة والرياء ذنب عظيم وجرم كبير وهو الشرك الخفي الأصغر قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * وهؤلاء المراؤون يمنعون الماعون لا يقدمون الإعانة والمعونة وما يحتاج إليه غيرهم حتى ما هو مضمون عودته إليهم وذهب بعض العلماء إلى أن الماعون هنا هو الزكاة، سئل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم: الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك وعن عبد الله قال: كل معروف صدقة وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر وعن ابن عباس (يمنعون الماعون) يعني متاع البيت. فسورة الماعون فيها النهي عن الأنانية والاكتفاء بالنفس وعدم التفاعل الايجابي مع الآخرين بإسداء المعروف وتقديم المساعدة وتلك كانت سلوكيات الجاهلية التي جاء الإسلام ليحل محلها التراحم والتعاون على البر والتقوى.