في رحاب القرآن: تفسير سورة “الكوثر”: إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى “إنا أعطيناك الكوثر فصلّ لربّك وأنحر إنّ شانئك هو الأبتر”صدق الله العظيم سورة الكوثر مكية وهي ثلاث آيات قصيرة كلماتها قليلة وهي في بلاغتها وعمق معانيها تعبر عن بعض ما خص به الله تبارك وتعالى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ففي سور عديدة وفي آيات كثيرة أعلى الله قدر نبيه وبين منزلته الرفيعة وشانه العظيم والمكانة التي خصه بها وقد لفتت تلك السور (الكوثر والضحى والانشراح... وغيرها) وكذلك آيات عديدة علماء الإسلام قديما وحديثا فكانت منطلقا لما دونوه والفوه في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه السيرة العطرة المليئة بالعبر والمواعظ والدروس باعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السيد الكامل وهو الرحمة المهداة وهو الموعظة المجسمة وهو العروة الوثقى وهو الصراط المستقيم. انه عليه الصلاة والسلام هو الأسوة والقدوة قال الله تعالى “ولكم في رسول الله أسوة حسنة” وقال جل من قائل “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله” انه عليه الصلاة والسلام رحمة الله بالعالمين “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وهو الرؤوف الرحيم بالمؤمنين “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”. “إنا أعطيناك الكوثر” والكوثر هو العطاء الكثير وقد أورد القرطبي في تفسيره لهذه السورة ستة عشر قولا فالكوثر نهر في الجنة روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته اطيب من المسك وماؤه احلى من العسل وابيض من الثلج”. والثاني الكوثر حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف قاله عطاء وفي صحيح مسلم عن انس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم “إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وأنحر إن شانئك هو الأبتر” ثم قال أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فانه نهر وعدنيه ربي عزل وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج (أي ينتزع ويقتطع) العبد منهم فأقول: انه من أمتي فيقال: انك لا تدري ما أحدث بعدك. وقيل الكوثر هو النبوة والكتاب وقيل: القرآن وقيل: الإسلام وقيل: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع وقيل: كثرة الأصحاب والأمة والأشياع وقيل: الإيثار وقيل: رفعة الذكر وقيل: نور في قلبك ذلّك عليّ (على الله) وقيل: الشفاعة وقيل: معجزات الربّ هدي بها أهل الإجابة لدعوتك وقيل: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل: الفقه في الدين وقيل: الصلوات الخمس وقيل هو العظيم من الأمر أورد القرطبي كل هذه الأقوال ولكنه رجح من هذه الأقوال الأول والثاني (نهر في الجنة وحوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف). ليس كل ذلك بالكثير في حق من أعلى الله ذكره ورفعه ومن وعده الله بان يعطيه ما يرضيه “ولسوف يعطيك ربك فترضى”. * “فصل لربك وأنحر” إما الصلاة المفروضة أو صلاة العيد حيث يكون النحر بعد الصلاة. قال محمد بن كعب القرض “إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وأنحر” إن ناسا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله وقد أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله قال ابن العربي “والذي عندي انه أراد: اعبد ربك وأنحر له فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر والحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر وهو الخير الكثير الذي أعطاه الله أو النهر الذي طينه مسك وعدد آنيته نجوم السماء أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة فذلك يبعد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعبادة”. وهذا الفهم العميق من ابن العربي يتناسك مع عموم اللفظ في قوله تعالى “فصل لربك وأنحر” إذ فيه دعوة إلى إخلاص العمل وتمحيصه لله سبحانه وتعالى القائل (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فهو سبحانه وتعالى أغنى الشركاء ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم وهذا الأمر من الله لنبيه عليه الصلاة والسلام “فصل لربك وأنحر” تشريف له وهو لنا معاشر المؤمنين تكليف بأن نخلص له كل أعمالنا لنستحق ثوابه وجزاءه وعطاءه وتكرمه علينا. * “إن شانئك هو الأبتر” الشانئ هو المبغض والأبتر هو من مات بنوه وبقيت بناته وقيل إن العاص بن وائل وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فقال له جمع من صناديد قريش مع من كنت واقفا؟ قال: مع ذلك الأبتر وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة فانزل الله جل شانه “إن شانئك هو الأبتر” أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. والأبتر من الرجال الذي لا ولد له فلا يذكر بعد موته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن لم يبق له من بعده أبناء ذكور فأبناء الأنبياء أنبياء وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ولكن ذكره باق ما بقيت السماوات والأرض وما نطق بالشهادتين مؤمن لا اله إلا الله محمد رسول الله، انه عليه الصلاة والسلام من أوجب الله على عباده عندما يذكر اسمه أن يصلوا عليه (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) فلا يزال اسم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام رفيعا ولا يزال كل من يستنقصه ويبغضه مذموما ويرد مدحورا ويأبى الله إلا أن يثار لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة اشد للذين ينقصون من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعظمونه.