في رحاب القرآن: تفسير سورة “التكاثر”: التباهي والتكاثر من علامات الغفلة

في رحاب القرآن: تفسير سورة “التكاثر”: التباهي والتكاثر من علامات الغفلة


بسم الله الرحمان الرحيم يقول جل من قائل “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم” صدق الله العظيم سورة التكاثر من السور المكية “ألهاكم” شغلكم حتى أنساكم (ألهاكم التكاثر) انشغلتم بالتكاثر كل طرف يستزيد على الآخر بالعدد وبالمال، كل ذلك شغلهم عن طاعة الله والقيام بما أمر به عباده، وهذه الحال كانت عليها القبائل العربية قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام فقد كان التفاخر بالعدد والعدة هو الغالب قي علاقة هذه القبائل ببعضها البعض فقد كانت الدنيا كل همهم ومبلغ علمهم ووصل بهم الأمر إلى التباهي حتى بما عند كل قبيلة من سكان القبور ممن رحلوا عن هذا العالم وهذا احد المعاني المتبادرة من قوله جل من قائل (حتى زرتم المقابر) أو أن التفاخر والتفاضل والتباهي على بعضهم البعض لم يتوقف إلى أن أدركهم الموت وأصبحوا من أهل القبور. وفي صحيح مسلم قال مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرا (ألهاكم التكاثر) قال: يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس وهذا الحديث وغيره من الأحاديث وغيره من الأحاديث الأخرى يحذر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين من مغبة الوقوع فيما وقع فيه الكافرون من غفلة ورضي بهذه الحياة الدنيا والاعتقاد أنها كل ما هنالك وان أهلها سيخلدون فيها. وأورد البخاري في صحيحه حديثا آخر يؤكد معنى التحذير من الإخلاد إلى الدنيا والطمأنينة إليها فصاحب الدنيا كشارب ماء البحر كلما شرب ازداد عطشا عن ابن شهاب انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب) (حتى زرتم المقابر) حتى أتاكم الموت يقال لمن مات تزار قبره والمقابر، ولم تذكر المقابر في القرآن إلا في هذه السورة. * وزيارة القبور إذا كانت للتفاخر والتباهي وتعداد أصحاب القبور من كل حي وقبيلة فذلك غير جائز بل هو يغضب الله ومما يدل على الغفلة والانشغال بالدنيا أما زيارة القبور لأخذ العبرة والموعظة فذلك مما رغب فيه الشرع، فزيارة القبور بهذا المعنى مما ترق له القلوب ومما يتحقق به الاعتبار ومعرفة حقائق الأمور وهي انه لا بقاء ولا خلود إلا لله وان كل كائن يموت فبمثل هذه الزيارات للقبور يزهد في الدنيا فلا تكون كل الهم ولا مبلغ العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة) وفي رواية تذكر بالموت. * وورد حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن زوارات القبور) وقد ذهب بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن. انظر القرطبي ج20 ص170. وفي هذه المسالة تفصيل يطول عرضه وحسب الحال التي تكون عليها الزيارة وما يترتب عنها فالأعمال بالنيات، والأمور بمقاصدها والنص عام (فزوروا القبور) وهو يشمل الذكور والنساء ولكل حادثة حديث ولكل واحد حكمه والإنسان اعرف بنفسه (استفت قلبك وان أفتوك) فمن تزور القبور زيارة شرعية، زيارة تدبر واعتبار واتعاظ بعيدا عن كل ما يغضب الله من قول أو فعل أو أي تصرف فهذه تزور ومن تخشى من نفسها ضعفا أو فتنة فهذه لا شك عدم زيارتها أولى وأفضل بل يجب عليها أن لا تزور. * وزيارة القبور علاج من أعظم علاجات قساوة القلوب وغفلتها وقد أورد القرطبي في تفسير هذه السورة وفي كتاب التذكرة تفصيلا لهذه المسالة. يقول القرطبي: فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط فان هذه حالة تشاركه فيها بهيمه ونعوذ بالله من ذلك بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء ويتجنب المشي على المقابر والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا واتاه من تلقاء وجهه لأنه في زيارته كمخاطبته حيا... ويمضي القرطبي في بيان العبر والدروس التي من اجلها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور انظر الصفحة 171 من الجزء العشرين من تفسير القرطبي. * قوله تعالى (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) قال الفراء ليس الأمر على ما انتم عليه من التفاخر والتكاثر سوف تعلمون عاقبة التفاخر والتكاثر وتكرار (ثم كلا سوف تعلمون) فيه ما لا يخفى من الوعيد والتحذير قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلا سوف تعلمون ما ينزل بكم من العذاب في القبر (ثم كلا سوف تعلمون) في الآخرة إذا حل بكم العذاب فالأول في القبر والثاني في الآخرة فالتكرار للحالتين. * ثم يقول جل من قائل (كلا لو تعلمون علم اليقين) قيل اليقين هنا هو الموت والمعنى لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور وانشقت اللحود على جثتكم كيف يكون حشركم؟ لشغلكم ذلك التكاثر بالدنيا. * قوله تعالى (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) قيل (لترونها عين اليقين) أي مشاهدة وقيل معنى لو تعلمون علم اليقين فيما أمامكم مما وصفت (لترون الجحيم) بعيون قلوبكم فان علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك. ثم تختم السورة بقوله جل من قائل (ثم لتسألون يومئذ عن النعيم) وسؤال الله عباده عما انعم به عليهم سؤال شديد لأن نعم الله على عباده لا تحصى ولا تعد هي أولا هذه الهداية فهو من شرح صدورهم ثم هي في ما لا حصر له ولا عد مما ظهر وخفي، هي الأمن والصحة وهي الفراغ، هي السمع والبصر والفؤاد وما أكثر الأحاديث والآثار المذكرة بنعم الله على عباده (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) نسال الله تبارك أن يعرفنا نعمه بدوامها وان لا يعرفنا نعمه بزوالها انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.