في رحاب القرآن: تفسير الآية 91 من سورة التوبة: هدي الإسلام في التخفيف على الضعاف والإحاطة بهم
يقول الله تبارك وتعالى: “ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم”. صدق الله العظيم.الآية 91 من سورة التوبة. اخترت هذه الآية من سورة النور لأقرب ما فيها من المعاني ولأغتنمها مناسبة لبيان هدي الإسلام في رفع الحرج والتيسير عن الأمة بمختلف فئاتها وبالخصوص الضعاف من أفرادها.. والضعفاء تشمل الصغار والكبار المسنين الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقهم (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) والناس في أحوالهم الصحية والبدنية تتفاوت أوضاعهم وحالاتهم فيهم السليم المعافى، والعافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضى وهي نعمة من أعظم النعم التي انعم الله بها على عباده، إنها أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان ولذلك فإن من الدعاء المأثور سؤال الله تبارك وتعالى (العفو والعافية) ومن عفى الله عنه وعافاه فهو في نعمة عليه أن يقيدها بالشكر لتدوم وعليه أن يراقب فيها الله ويخشاه ولا يسخرها لمعصيته سبحانه وتعالى وظلم الناس بها فإن الله تبارك وتعالى يوشك أن يسلبه هذه النعمة التي هي أم النعم طبعا بعد نعمة الهداية والإيمان وعدم الكفر بالله والشرك به. وفي الناس والمصاب المبتلى في صحته والذي إذا صبر فإن الله يضاعف له الأجر والثواب ويعوضه عما أصابه بغفران ذنوبه ورفع درجته. والمصاب المبتلى في جسده بمرض إذا صبر واحتسب جعل الله عند رأسه استجابة الدعاء ومرضاة الله سبحانه وتعالى يقول الله في الحديث القدسي (يا ابن آدم مرضت ولم تعدني فيقول العبد: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: أما علمت أن عبدي فلان مرض أما انك لو عدته لوجدتني عنده). والضعفاء-مراعاة من الله تبارك وتعالى لضعفهم لتقدم السن ولصغر السن أو لمرض أو إصابة أيا كانت هذه الإصابة- خفف الله عنهم ولم يكلفهم بما كلف به الأقوياء والأصحاء فالآية الكريمة تقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) والمسلم مأمور بان يدعو ربه بقوله (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) والآية الأخرى صريحة في هذا المعنى حيث يقول جل من قائل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول سبحانه وتعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد استنبط العلماء من هذه الآيات وغيرها ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة قواعد تركز هذا المعنى وترسخه في الأذهان وتجعله ممارسة منها (المشقة تجلب التيسير) و(الضرر يزال) و(لا ضرر ولا ضرار) و(الضرورات تبيح المحظورات) إلى غير ذلك من القواعد الفقهية السائرة في هذا الاتجاه والتي تتجلى تطبيقاتها العملية في النزول من الطهارة المائية إلى الطهارة الحكمية بالتراب ومن أربع ركعات إلى ركعتين في الصلاة الرباعية والى الفطر في رمضان بالنسبة للمريض والمسافر ومن تقدمت به السن ومن هو مريض مرضا مزمنا. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن تكاليف أخرى فيها مشقة تطلب من الأقوياء الأصحاء الأغنياء القادرين وتسقط عن الضعفاء والعجزة وذلك مثل الخروج للقتال ومثل الإنفاق والبذل في تجهيز الجيوش الغازية والإنفاق على الفقراء. قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى (ليس على الضعفاء) الآية اصل في سقوط التكليف عن العاجز فكل من عجز عن شيء سقط عنه فتارة إلى بدل هو فعل وتارة إلى بدل هو غرم ولا فرق بين العجز من جهته جهة القوة أو العجز من جهة المال ونظير هذه الآية قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقوله تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لقد تركتم في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا يا رسول الله: وكيف يكونون معنا وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر) فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها انه لا حرج على المعذورين وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج وأقوام لم يجدوا ما ينفقون فقال ليس على هؤلاء حرج) انظر الصفحة 226 الجزء الثامن من تفسير القرطبي. قوله تعالى (إذا نصحوا لله ورسوله) قال القرطبي إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وابغضوا أعداءه وللقرطبي كلام نفيس في قوله تعالى (إذا نصحوا) نورده تعميما للفائدة حيث يقول رحمه الله (النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح... وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدين النصيحة ثلاثا قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) قال العلماء: النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ووصفه بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته والتزام طاعته في أمره ونهيه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وتوقيره ومحبته ومحبة آل بيته وتعظيمه وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم وكذا النصح لكتاب الله: قراءته والتفقه فيه والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين وترك الخروج عليهم وإرشادهم وحب الصالحين منهم والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم في الحديث الصحيح (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) انتهى منقولا من تفسير القرطبي الجزء الثامن الصفحة 227. قوله تعالى (ما على المحسنين من سبيل) أي من طريق إلى العقوبة قال القرطبي وهذه الآية اصل في رفع العقاب على كل محسن.