في رحاب القرآن: تفسير الآية 9 من سورة إبراهيم: شكر المنعم والاعتراف للمحسن خلق المسلم

في رحاب القرآن: تفسير الآية 9 من سورة إبراهيم: شكر المنعم والاعتراف للمحسن خلق المسلم


يقول الله تعالى: “وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد” صدق الله العظيم الآية 9 من سورة إبراهيم هذه الآية الكريمة من سورة إبراهيم إلى جانب آيات أخرى في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن الكريم فيها دعوة من الله تبارك لعباده المؤمنين أن يقيدوا النعم بالشكر فشكر المنعم واجب والمنعم الأول الذي ليس قبله منعم وليس مثله منعم هو الله رب العالمين خالق الإنسان وخالق كل شيء، فهو سبحانه وتعالى مصدر كل خير. ونعم الله تبارك على عباده المؤمنين به أو الكافرين والمطيعين والعصاة لا تحصى ولا تعد قال تعالى (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فنحن عاجزون عن إحصاء وحصر نعم الله لأنها ظاهرة وخفية وهي دقيقة وعظيمة هذه النعم من الله على عباده لا بد من القيام بواجب الشكر عليها وهذا الواجب حجر الزاوية فيه هو الإيمان بالله جل وعلا وعدم الكفر والضلال أو الشكر الذي هو ظلم عظيم قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) كذلك من مظاهر الشرك وعلامته عدم القيام بعبادته يقول جل من قائلا (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) ومن الشكر للمنعم أن نرى آثار تلك النعم على صاحبها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده) ويقول جل من قائل (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ومن مظاهر شكر المنعم أن يعود المنعم عليه ببعض مما أفاء الله به عليه من الخير على من يحيطون به من عباد الله الذين هم عيال الله والمنعمون عليهم هم مجرد وكلاء، إنهم مستخلفون ولأجل ذلك جاء التذكير بهذه الحقيقة (انفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) الشكر يكون بالقلب المؤمن القرير المعترف العامر بذكر الله. والشكر يكون باللسان الذي لا يتوقف عن تعداد النعم والأفضال الإلهية. ومن مظاهر الشكر باللسان أن لا يتأخر المنعم عليه والمتفضل عليه بشكر من أسدى إليه معروفا، أي شكر الناس. قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية (لئن شكرتم لأزيدنكم) أي لئن شكرتم أنعامي لأزيدنكم من فضلي. (لئن شكرتم لأزيدنكم) نص في أن الشكر بتثبيت المزيد وقال الحسن لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي وقال ابن عباس: لئن وحدتم وأطعتم لأزيدنكم من الثواب ثم قال القرطبي والآية نص في أن الشكر سبب المزيد وقد سئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال (ألا تتقوى بنعمه على معاصيه) وحكى عن داود عليه السلام انه قال: أي رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة مجددة منك علي قال: يا داود الآن شكرتني. قال القرطبي: فحقيقة الشكر على هذا الاعتراف بالنعمة للمنعم وألا يصرفها في غير طاعته. قوله تعالى (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) أي جحدتم حقي وقيل نعمي، وعد بالعذاب على الكفر كما وعد بالزيادة على الشكر) انظر الصفحة 343 ممن الجزء 9 من تفسير القرطبي. وقد أورد القرطبي الجزء الأول من نفس التفسير في معاني قوله تعالى (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون) الآية 52 من سورة البقرة حيث قال (وأما الشكر فهو في اللغة الظهور قال الجوهري الشكر: الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف). ومثلما أن شكر الله واجب فان شكر غير الله ممن يحسن واجب أيضا فقد روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لا يشكر الناس). قال الخطابي: هذا الكلام يتأوّل على معنيين احدهما إن كان طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر) انظر الصفحة 398 ج1. وقد أورد القرطبي عدة أقوال مأثورة لأنبياء ورسل الله عليهم السلام لكبار الصلحاء والزهاد لا يتسع المجال لإيرادها. فشكر من أجرى الله على يديه الله الإحسان والأفضال واجب على المسلم فليس من صفات المسلم نكران الجميل واللؤم وليس من خلق المسلم نسيان فضل المحسنين إليه. وكلما كان هذا الإحسان اكبر وأعظم واشمل كان الشكر عليه واجبا فبقدر المستفيدين بهذه الأفضال يكون الأجر عليها من الله أعظم والاعتراف بها من طرف المستفيدين بها من أولى وألزم فهذا الشكر تمسك بهذه الأفضال واستزادة منها فإذا كان الإحسان يتعلق بأن يحل الأمن والاستقرار محل الخوف والاضطراب وتحول حياة الناس من الفاقة والحاجة والحرمان إلى رغد العيش، وإذا هذا كان هذا الحال ليس حال فرد بل حال جماعة بأكملها فإن الشكر هو لا شك أوجب من قبل المعنيين الذين يتفيؤون ظلال الأمن الوارف ويستفيدون بالخيرات بكل أنواعها في معنى هذه الآية الكريمة (وإذا تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم..) وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السالف الذكر الذي رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لا يشكر الناس).



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.