في رحاب القرآن: تفسير الآية 29 من سورة الفتح(1): أوصاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل
يقول الله تعالى: “محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع اخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا منهم مغفرة وأجرا عظيما”.صدق الله العظيم-الآية 29 من سورة الفتح هذه الآية من سورة الفتح أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي كلاما نفيسا فيه القول الفصل لما ينبغي أن يكون عليه أدب المسلم مع أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وهو كلام يناسب المرحلة التي يمر بها المسلمون حيث تستعاد إساءات لا تمتّ إلى الدين والإيمان بأية صلة وكان ينبغي على المسلمين كافة بمختلف مذاهبهم وفرقهم أن ينأوا عنها ولا يزجوا بأنفسهم في خلافات واختلافات لم يكونوا أطرافا فيها وفتنا وقاهم الله منه مفوضين أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه. أما والأمر الواقع ليس كذلك ويا للأسف الشديد!! فإن ذلك يدعو أهل الذكر من علماء المسلمين أن يذكروا بما ينبغي من الأدب مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذروا من مغبة الوقوع في أحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن في التذكير بما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانة رفيعة ومنزلة عالية في الدين وفي العقيدة ما لا يخفى من الفائدة، فلعل في ذلك ما يرجع من حاد عن الطريق القويم إلى الصوات وما يحصن بالحجة والبرهان والدليل غيرهم من الوقوع في ما لا تحمد عقباه مما يغضب على المسلم مولاه، والله الهادي إلى سواء السبيل والعاصم من الزيغ والضلال. قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) قال ابن عباس رضي الله عنهما أهل الحديبية أشداء على الكفار أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته وقيل الذين معه جميع المؤمنين يرحم بعضهم بعضا متعاطفون متوادون. (سيماهم في وجوههم من اثر السجود) قال منصور سألت مجاهدا عن قوله تعالى (سيماهم في وجوههم) اهو اثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة ولكنه نور في وجوههم من الخشوع وقال جريج هو الوقار والبهاء (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل)، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل أيضا كمثلهم في القرآن. (كزرع اخرج شطأه) أخرج فراخه وأولاده أي أطرافه وقيل نباته وقيل إن الشطء شوك السنبل. قال القرطبي معقبا على هذه الأقوال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون فكان النبئ صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه فكان هذا من اصح مثل وأقوى بيان وقال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب انه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون وبالمعروف وينهون عن المنكر. (فآزره) أي قواه وأعانه وشده، (فاستوى على سوقه) جمع ساق على عوده (يعجب الزراع) يعجب هذا الزرع من زرعه فالزارع محمد صلى الله عليه وسلم والشطء أصحابه (ليغيظ بهم الكفار) فعل الله ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا) أي وعد الله هؤلاء الذين مع محمد وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة. قوله تعالى (مغفرة وأجرا عظيما) أي ثوابا لا ينقطع وهو الجنة انتهى مختصرا من تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.