في رحاب القرآن: تفسير الآية 122 من سورة التوبة:طلب العلم فريضة على كل مسلم والتخصص في مختلف مجالاته واجب على البعض منهم

في رحاب القرآن: تفسير الآية 122 من سورة التوبة:طلب العلم فريضة على كل مسلم والتخصص في مختلف مجالاته واجب على البعض منهم


يقول الله تعالى: “وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون”. صدق الله العظيم سورة التوبة 122 هذه الآية الكريمة من سورة التوبة إلى جانب آيات أخرى تبين المنزلة التي أعطاها الإسلام للعلم وهي ولا شك منزلة رفيعة متميزة نظرا لما يتحقق للإنسان بالعلم من مصالح في عاجل دنياه وفي آجل آخرته فبالعلم يعرف الحق من الباطل والإيمان من الكفر والضلال والخير من الشر والعلم نبراس وهاد إلى الصراط المستقيم، وصاحب العلم ومحصله مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. والعقل والنقل وتجارب الحياة كلها تتضافر في التسليم للعلم بهذه الخصائص المميزة له عن سائر مجالات النشاط البشري. والعلم على عمومه وفي كل مجالاته وميادينه لا يأتي إلا بالخير فالعلم نور، والنور ينقشع به الظلام الذي يجعل الإنسان يخبط خبط عشواء. قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية (هذه الآية اصل في وجوب طلب العلم لان المعنى وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده “فلولا نفر” بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلموا عنه الدين ويتفقهوا فإذا رجع النافرون إليهم اخبروهم بما سمعوه وعلموه يقول القرطبي وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة وانه على الكفاية دون الأعيان ويدل عليه أيضا قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل 43. والنفر في اللغة الجماعة واقلها الاثنان وفي الآية ما يشير إلى أن المقصود الجماعة ذات العدد والدليل عليه قوله تعالى بصيغة الجمع (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). وطلب العلم كما ذهب إلى ذلك العلماء ينقسم إلى قسمين قال القرطبي فرض على الأعيان أي على كل فرد مثل الصلاة والزكاة والصيام أي العلم بأحكامها وكيفية أدائها على الوجه الصحيح لان الله كما لا يقبل من العمل إلا أخلصه فانه لا يقبل من العمل إلا أصوبه إذ لا يعذر الجاهل بجهله، ولا بد من تحصيل ما به يقع القيام بما فرض الله على عباده مما هو حقه عليهم وما من اجله خلقهم قال جل من قائل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون). ولأجل ذلك جاء في الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ذكرا كان أو أنثى وتحصيل هذا العلم بأحكام الدين هو عين الفقه الذي يؤتيه الله لمن يريد به خيرا من عباده المسلمين (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). وهناك من العلوم ما هو فرض كفاية، أي إذا قام به البعض وحصلوه سقط على البقية ككل فروض الكفاية والتي منها الآذان وصلاة الجنازة ولكن فروض الكفاية إذا تركها الجميع أثم الجميع والعلوم التي هي فروض كفاية منها ما هي علوم دينية ومثل عليها القرطبي بتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم قال: (إذ لا يصلح أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم أو تبطل معايشهم فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين وذلك بحسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته). وسائر العلوم الحياتية هي من فروض الكفاية التي لابد من أن تكتسبها وتتمكن منها طائفة من المسلمين تكفي بها البقية وتجعلها لا تحتاج فيها إلى الغير لان هذه الحاجة إلى الغير تجعل المسلمين في وضع لا يرضاه لهم ربهم وينبغي عليهم أن لا يرضوه لأنفسهم لان فيه الضعف وما يترتب عنه من أوضاع هي كلها نتيجة لعدم تحقيق الاكتفاء فالمسلم لا ينبغي أن يكون كلا ولا عالة على غيره يد المسلم ينبغي أن تكون هي العليا ولا يخفى ما في الغنى من قوة وعزة وما في الحاجة والافتقار من ضعف وذلة. والعلم لا يخفى أثره في تحقيق العزة والقوة كما أن الجهل هو سبب الضعف والذلة. قال القرطبي: طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل ثم أورد الحديث الذي رواه الترمذي (قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وان الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وان العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذ به اخذ بحظ وافر) قال ابن عباس رضي الله عنهما: أفضل الجهاد من بنى مسجدا يعلم القرآن والفقه والسنة وعن علي الازدي قال: أردت الجهاد فقال لي ابن عباس: أنا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد تأتي مسجدا فتقرا فيه القرآن وتعلم فيه الفقه، وقال الربيع سمعت الشافعي يقول: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة والآثار في هذا المعنى كثيرة عديدة لا يتسع المجال لإيرادها وهي كلها تبين المنزلة المتميزة التي أعطاها الإسلام للعلم على عمومه وفي كل مجالاته وللعلوم الشرعية بصفة خاصة وهي التي تحتاج الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مزيد نشرها وتعميمها بكل الوسائل حتى تزول وتذهب إلى غير رجعة، الجهالة التي هي سبب الضلالة والغواية وسبب التعصب والتزمت والتطرف ولا يخفى ما للمسجد والجامع من دور فعال في تعليم الناس أمور دينهم أي المعلوم من الدين بالضرورة في العبادات والمعاملات وذلك من خلال الخطب الجمعية والدروس الدينية وفي هذا المجال (مجال المسجد والجامع) فان المجهود المبذول يحتاج إلى تعزيز وتكثيف خصوصا في المواسم الدينية التي يكثر فيها الارتياد لهذه الأماكن المقدسة والمطهرة رغبة من المؤمنين في تحصيل الأجر والثواب. كما لا يخفى ما للتعليم من الكتّاب والروضة والمدرسة الأساسية والمعهد الثانوي إلى المعهد العالي والكلية من دور كبير في تعليم الدين الصحيح على أيدي أهل الذكر من ورثة الأنبياء. وتنضاف إلى المسجد والمدرسة بمختلف مراحلها وسائل الإعلام والتوجيه المختلفة مقروءة ومسموعة ومرئية فقد اقتحمت في السنوات الأخيرة هذا المجال بقوة وأصبحت تشارك فيه وتدلي بدلوها في تعليم الدين وتعميم توجيهه وهديه وهي تدخل كل البيوت وتكاد تعم كل أرجاء المعمورة. فكل هذه الوسائل التعليمية مدعوة إلى التكامل فيما بينها لتعميم العلم بالدين الصحيح البعيد عن كل غلو وتحلل. وفي الآية دليل على ضرورة تخصص طائفة من الأمة في العلم بالدين والتفقه فيه تكون المرجع المؤهل الذي يسلم له الجميع فهم أهل الذكر الذين يعنيهم الله في قوله جل من قائل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فمهمة هذه الطائفة التي نفرت للتفقه في الدين هي أن تنذر قومها من الوقوع فيما يغضب الله من الأقوال والأفعال وسائر التصرفات، إن هذه الطائفة هي من تحذر من حولها حتى يرجعوا إلى الطريق القويم الصراط المستقيم (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.