في رحاب القرآن: تفسير الآيات 2 و3 و4 من سورة الجمعة: فضل الله على عباده ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
يقول الله تعالى: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”. صدق الله العظيم-الآيات 2 و3 و4 من سورة الجمعة يقول الله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) هو أي الله سبحانه وتعالى من بعث سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وهو من أوحى إليه وهو من اصطفاه واجتباه ليكون خاتم النبيين والمرسلين عليهم السلام إذ النبوة والرسالة اصطفاء واجتباء (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس)، (الله اعلم حيث يجعل رسالته) والنبوة والرسالة درجة لا تنال بالاجتهاد في تحصيل العلم أو بكثرة العمل. الأنبياء والرسل الكرام عليهم صلوات الله وسلامه هم صفوة خلق الله وهم عليهم السلام جميعا وبدون استثناء منزهون عن كل مشين من القول والفعل وسائر التصرفات وهم معصومون من أن يقعوا في المعاصي والذنوب تلك هي عقيدة المسلمين في كل الأنبياء بدون استثناء (لا نفرق بين احد من رسله) أما سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فهو إمام المرسلين وخاتم النبيين وهو أفضل خلق الله على الإطلاق رفع الله ذكره وشرح له صدره صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام البررة. وهذه الآيات تبين ما من به الله على العرب الأمة الأمية إذ بعث فيهم ومنهم نبيا يعرفون صدقه وأمانته وعفافه هي حجة قوية عليهم، كي يكونوا أول من يؤمن به ويتبعه (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). قال ابن عباس رضي الله عنهما (الأميون العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب لأنهم لم يكونوا أهل كتاب)، وقيل الأميون الذين لا يكتبون وكذلك قريش. (رسولا منهم) قال ابن إسحاق فيما أورده القرطبي (مأمن حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة.. إلا حي تغلب فقد كانوا نصارى. ولاشك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا وفي ذلك حجة قوية بالغة على انه رسول الله ونبيه أوحى إليه وعلمه ما لم يكن يعلم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) ولو كان يحسن القراءة والكتابة لقيل إن ما جاء به أخذه من كتب وصحف من سبقه من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام أما وهو أمِّيّ فتلك حجة بالغة قوية في أن ما جاء به هو من عند الله لاشك في ذلك، وما جاء به معجز لا سبيل إلى الإتيان بمثله والتحدي من الله سيظل قائما إلى يوم القيامة. يقول جل من قائل (يتلو عليهم آياته) وهي آيات القرآن كتاب الله العزيز هذه المعجزة الخالدة التي لا تنقضي عجائبها والذي لا يمل قارئها على كثرة الرد والتكرار (ويزكيهم) قال ابن عباس يطهرهم من دنس الكفر والذنوب وقال السدي يأخذ زكاة أموالهم وكل ذلك لا تضيق به كلمة يزكيهم (ويعلمهم الكتاب) وهو القرآن ما فيه من علوم ومعارف لا حد لها ولا حصر (والحكمة) قال الحسن الحكمة هي السنة وقال مالك بن انس الحكمة الفقه في الدين. يقول تعالى (وان كانوا من قبل لفي ضلال نبين) نعم لقد كان العرب الذين أرسل منهم وفيهم لهم ولسواهم كانوا قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في ضلال ليس بعده ضلال كانوا في ظلام دامس وفي جاهلية جهلاء كانوا كفارا حائدين عن الطريق القويم والحق المبين. يقول تعالى (وآخرين لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم) لقد بعث سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم لمن كانوا في زمانه من العرب وسائر الأمم وبعث لمن جاؤوا بعدهم والى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بعث للناس كافة، بعث رحمة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) يقول القرطبي (أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين لان التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه). قوله تعالى (لما يلحقوا بهم) من سيجيئون بعدهم قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم. ورد في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليهم سورة “الجمعة” فلما قرأ (وآخرون لما يلحقوا بهم) قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال: وفينا سلمان الفارسي قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجال من هؤلاء وفي رواية لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أو قال من أبناء فارس حتى يتناوله" واللفظ لمسلم وقال عكرمة: هم التابعون وقال مجاهد هم الناس كلهم يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وروى سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب وتلا (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) أورد كل ذلك وغيره القرطبي في تفسيره لسورة الجمعة. قوله تعالى (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) فضل الله يعم كل شيء وفضل الله على المسلمين هو هدايتهم وبعثة هذا النبي الكريم وهذا الرسول العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو لهم رحمة وهداية إلى الصراط المستقيم روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون احد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة) قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”. نسأل الله أن يؤتينا من فضله الواسع وان يوفقنا لما يرضيه عنا من الأقوال والأفعال وان يجعلنا ممن يتبعون سيدنا محمدا الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم. انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.