في رحاب القرآن: تفسير الآيات الأخيرة من سورة آل عمران: ما عند الله خير للأبرار

في رحاب القرآن: تفسير الآيات الأخيرة من سورة آل عمران: ما عند الله خير للأبرار


يقول الله تبارك وتعالى: “لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار”. الآيات 196 و197 و198 من سورة آل عمران يقول الله تعالى (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) وهو رد على المسلمين الذين قالوا إن الكفار يتنعمون بالأموال بكل أنواعها يتمرغون فيها في حين أن المسلمين يعانون من الجوع والحاجة، أجابهم الله (متاع قليل) يقول القرطبي المتاع هو ما يعجل الانتفاع به وسماه قليلا لأنه فان وكل فان وان كان كثيرا فهو قليل. جاء في صحيح الترمذي عن الفهري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما الدنيا في الآخرة إلى مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع). وقد ورد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الطاهرة التحذير من الدنيا والإخلاد إليها كما وردت في آيات وأحاديث أخرى الأمر بالأخذ منها والتمتع بالطيب الحلال منها وحاشا لآيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم أن تتعارض أو تتناقض ولكن لابد من التأويل بينها لتأتلف في ذهن المسلم ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بنظرة شمولية مقاصدية تراعي جوهر الإسلام تكون فيها النية حجر الزاوية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) وجاء في القاعدة الفقهية (الأمور بمقاصدها) وخلاصة القول أن الدنيا عندما تكون حلالا طيبا وعندما يأخذ منها المسلم ما يكفيه ولا يطغيه فان طلبها في هذه الحالة وبهذه المفهوم مما أمر الله به عباده ومما أرشدهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهديه القويم قال الله تعالى (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ويقول جل من قائل (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أسحن الله إليك) وقال سبحانه وتعالى (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). فكل هذه الآيات وعلى نهجها جاءت الأحاديث تدعو المسلم إلى اخذ نصيبه من الدنيا الحلال (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) و(اليد العليا خير من اليد السفلى) ومع ذلك فان المسلم العاقل لا يغتر بهذه الدنيا ولا يجعلها تطغيه وتنسيه ذكر ربه وتنسيه الحقيقة المشاهدة ألا وهي أن هذه الدنيا بكل ما فيها ومن فيها هي إلى زوال، إنها فانية، إنها متاع قليل لا يدوم فليست الدنيا بدار قرار وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر بالله جرعة ماء ونجدها عند العاصي لله وقد لا نجدها عند المؤمن المطيع لربه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن يحب) فهنيئا للمؤمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن أن أمره كله خير إذا أعطى شكر فله اجر وإذا أصيب شكر فله اجر) قال جل من قائل (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). لقد قهر الله عباده بالموت فلا شيء يبقى وكل أوجه نعيم الدنيا من مال وجاه وغير ذلك فإنها إلى زوال فمن يكفرون بالله ومن يجحدون نعمه ولا يقيدونها بالشكر فان بين أيديهم مهما كثر فهو قليل ومهما طال فهو إلى زوال وسيندمون ولات ساعة مندم (ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) بئس المصير الذي ينتظرهم. يقول تعالى (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار) أورد القرطبي في تفسيره حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين إلى أن سأله عن شرابهم قال فما شرابهم؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا كل ذلك من عند الله، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إن المتقين في الجنة لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين في نعيم الله وتنعيمه كل ذلك من عند الله الذي وعدهم عندما كانوا في الدنيا بهذا الجزاء الذي لا يوجد مثله جزاء (نزلا من عند الله) وتختم الآية بقوله جل من قائل (وما عند الله خير للأبرار) فهو أبقى وهو اضمن وهو أجمل وأروع وهو لا حد له، فماذا تساوي الدنيا بالنسبة للآخرة؟ لا شيء.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.