سكك حديدية متطورة TGV لنقل الحجيج في المشاعر المقدسة بين عرفات ومزدلفة ومنى ومكة
لقد بينت أركان الحج وأحكامه وسننه ومستحباته ومكروهاته ومحرماته كما بينت مغازيه وأسراره ودروسه وعبره كتب التفسير وشروح الحديث وكتب الفقه وأصول الشريعة ومقاصدها. ما نريد التطرق إليه هو ما شهده في السنوات الأخيرة الحج إلى بيت الله الحرام من ازدياد كبير في عدد المقبلين على أدائه، بحيث تضاعفت أعداد الحجيج المرات العديدة وبعد أن كانت بالآلاف لم تلبث أن أصبحت بعشرات ومئات الآلاف ووصلت إلى الملايين بالجمع والعدد كل سنة في ارتفاع وهذا في حد ذاته ايجابي لأنه يدل على عودة إلى الدين لا نملك إلا أن نباركها لأنها عودة إلى الأصل وعودة إلى الحق والعودة إلى الحق فضيلة وهي عودة إذا ما رشدت ولا يرشدها إلى العلماء العاملون المخلصون لله رب العالمين فهؤلاء وهم ورثة الأنبياء، فهم من يثبتون خطى هذه العودة إلى الدين ويجعلونها لا تحيد عن الطريق القويم والصراط المستقيم. ولا يخفى ما في كل شعائر الحج من العبر والدروس والمواعظ التي تجعل منها محطات يتزود منها المسلم بخير زاد والذي هو التقوى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى). وما يرجوه كل مخلص صادق هو أن يكون هذا التدين مثمرا وأن يكون بناء غير هدام إذ كثيرا ما انقلب الأمر وحصل غير المقصود ولا حول ولا قوة إلا بالله!! هذا الركن العظيم الشأن من أركان الإسلام يخرج منه مؤديه على أحسن الوجوه وأتمها من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فقد ورد في الحديث الشريف (الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة). لقد شهد هذا الركن (الحج إلى بيت الله الحرام) في السنوات الأخيرة إقبالا منقطع النظير وكان لا بد من التفكير في هذا الأمر بجدية لأن الجميع يريد أداء هذا الركن إذا ما توفرت فيهم الشروط. ولكن هذا العدد الكبير لا يمكن الاستجابة لرغبته ما دامت هذه الشعيرة (الحج) تقع في مكان واحد وتتم إلا في زمان واحد، فالصلاة والصوم والزكاة (أي بقية أركان الإسلام) يمكن للمسلم أن يؤديها حيث هو (أينما تولوا فثم وجه الله) بالنسبة للصلاة، وكذلك الزكاة والصوم فهما تؤديان في كل مكان. الحج فقط هو الذي لا يؤدى إلا في مكة المكرمة وفي المشاعر المقدسة (عرفات، منى ومزدلفة) وكل أعمال الحج لا تؤدى إلا في أيام معدودات معلومات ولأجل كل ذلك وجب التفكير مليا في تنظيم الحج وإحكام توزيع نسبه على البلدان الإسلامية بحسب تعداد سكانها. وكان تحديد نسب الحجيج القادمين على البقاع المقدسة كل عام إحدى قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي التي تتخذ من جدة مقرا لها وكان وراء إصدار القرار عن مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية علماء أفتوا بجواز العمل بنظام النسبة نظرا لعدم قدرة المكان الذي هو مكة والمشاعر المقدسة على استيعاب أعداد لا حصر لها ولا حد. وصاحبت هذا القرار الحكيم مبادرات وتوسيعات متكررة ومتتابعة للحرم المكي لتتضاعف طاقة استيعابه وكانت الأخيرة والتي وقع الانتهاء منها توسعة مسار الصفا والمروة على مستوى العرض بحيث بقي السعي على ما هو عليه في المسافة المقطوعة للساعي بين الجبلين (الصفا والمروة) وتمت التوسعة في العرض وذلك لما آل إليه السعي بين الصفا والمروة من حرج شديد وضيق مخنق قاتل وقد عاش ذلك الحجيج في السنوات الماضية وذلك بعد رمي جمرة العقبة وأداء طواف الإفاضة وإتمامهم لحجهم بالسعي بين الصفا والمروة وعند القيام بالسعي تتلاطم الأجسام! وتضيق الأنفاس! ويصبح التقدم بالخطوة خطوة الأمر الذي يستغرق الساعات الطوال التي تنهك الصحيح المعافى فما بالك بالعليل والمتعب من أثر ما أداه في الأيام السابقة من مناسك لا تقبل التأخير مضبوطة في الزمن وفي المكان. الحمد لله بهذه التوسعة للصفا والمروة إلى حد الضعف تيسر السعي. ولجعل الطواف بالبيت –والبعض منه ركن لا بد منه في الحج وهو طواف الإفاضة- ميسورا تجري أشغال توسعة جديدة لربما تمتد لعدة سنوات ستجعل بإذن الله عند الانتهاء منها الطواف بالبيت يكون أيسر وأسهل. وما دمنا نتحدث عن التوسيعات والإحداثات فلا شك أن من حج في السنوات الأخيرة رأى كيف أن الحال أصبحت في غاية اليسر والسهولة والسلامة بالنسبة لرمي الجمرات في منى وقد كانت في السنوات الماضية من أشق أعمال الحج فقد سقطت نتيجة الزحام وعدم مراعاة النظام أرواح مئات الحجيج حيث وقع دوسها ودحسها. فالرمي اليوم يجري في مسارات متعددة وفي طوابق الواحد فوق الآخر. وآخر البشريات هي الانطلاق في انجاز الأشغال لربط مدينة جدة بالمدينة المنورة ومكة المكرمة ومنها إلى المشاعر في عرفات ومزدلفة ومنى بخط حديدي للنقل السريع مما يعرف بالتيجي في (TGV) بحيث تقطع مسافة مئات الكيلومترات في اقل من ثلاث ساعات (بين جدة والمدينة وما بين المدينة ومكة) وفي عشرات الدقائق من جدة المطار إلى مكة الحرم وكذلك ما بين المشاعر وبيت الله الحرام. لقد اعتمدت الخطط وأعدت الدراسات الفنية ورصدت الاعتمادات وانطلقت الاشغال وتم جزء منها. حقيقة إنه لانجاز عملاق وإنها لخدمة جليلة ستقضي وإلى غير رجعة على أهوال ومشاق وأتعاب النقل في الحافلات وفي السيارات تلك التي تزدحم وتتراص وتتلاحق طوابيرها وينطلق دخانها الملوث فيتسبب فيما لا يمكن وصفه من الأتعاب والعلل والأمراض. النقل الحديدي المتطور هو الحل لمشاكل الازدحام في كل مكان ولا سيما في البقاع المقدسة إنها بحق خدمة جليلة لحجيج بيت الله الحرام لا يملك كل مخلص منصف إلا أن يباركها من الأعماق.