خطة إصلاح التعليم الزيتوني كما يرسمها سماحة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله في كتاب أليس الصبح بقريب

خطة إصلاح التعليم الزيتوني كما يرسمها سماحة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله في كتاب أليس الصبح بقريب


  المحتويات   الشيخ الطاهر ابن عاشور: المنظر منهج يجمع بين المعقول والمنقول أطوار التعليم العربي الإسلامي أهلية التصدي للتعليم الطريقة الزيتونية في التعليم تجارب الزيتونة مع حركة الإصلاح ابن عاشور سفير الحركة الإصلاحية إذا كان إصلاح التعليم بصفة عامة لا يثير جدلا كبيرا ولا اختلافا ظاهرا بينا سواء كان ذلك بين أهل الذكر والاختصاص أو عامة الناس باعتبار أن مجالات إصلاح التعليم العام هي مما يدخل في مجال شؤون الحياة الدنيا المتغيرة المتبدلة والمتطورة المتجددة والتي لا يكاد المسلمون يختلفون حول ضرورة الأخذ منها بكل ما من شأنه أن يحقق خيرية أمة الإسلام وعزتها فإن إصلاح التعليم الديني بمختلف مراحله واختصاصاته هو الذي لا يزال يحتاج إلى مزيد التمعن فيه باعتبار ضرورته وأهميته ولزومه ولكن أيضا باعتبار دقته ومخاطر الانزلاق والانحراف الواردة فيه لا قدر الله. وهو ما يؤثر سلبا على كل مجالات الإصلاح الأخرى مادية ومعنوية. لأجل كل ذلك فقد آثرت أن يقتصر حديثي على إصلاح التعليم في الزيتونة كما يراه سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله وحتى في هذا المجال فإنني لن استطيع أن أحيط بما أراد سماحته أن يأتي به ويرسمه لأبنائه تلاميذ الزيتونة وشيوخها على مر أجيالهم المتعاقبة، لم تأخذ حظها من التعريف الكافي بها والاستفادة التامة منها سواء كان ذلك على مستوى المؤسسة التي كتبت هذه الوثيقة (أليس الصبح بقريب) من اجل إصلاح التعليم فيها أو المؤسسات الشقيقة لها في ديار الإسلام والمسلمين. ولكأن الأستاذ عبد الملك بن عاشور نجل سماحة الإمام رحمه الله يشير الإشارة البليغة الذكية ذكاء آل عاشور سلفا وخلفا، لكأنه يشير عندما أعاد طبع هذا الكتاب بهذه الوثيقة على القائمين على حظوظ الزيتونة: رئيسا وعمداء على تداولهم –بأهمية الاستنارة بآراء شيخ الإسلام رحمه الله، هذه الآراء التي لم تزدها الأيام والتجارب إلاّ جدة باعتبار أن صاحبها ممن حبته الأقدار في العصر الحديث ببلوغ درجة الاجتهاد وممن باعه في علوم الوسائل والمقاصد يوازي ويفوق في بعض الأحيان علوم الأوائل من سلف الأمة الصالح فضلا عما يتميز به من سعة اطلاع على أحوال العصر وعلومه وتجارب الأمم وبالخصوص في مجال التعليم، والتربية ويشهد على ما نقول التحرير والتنوير ومقاصد الشريعة وأصول النظام الاجتماعي والكتاب الذي محّظه لإصلاح التعليم الزيتوني: أليس الصبح بقريب وكل ما كتب وحبّر قلم سماحة الشيخ الإمام رحمه الله واسكنه فراديس جنانه. يقول سماحة الشيخ الإمام في مقدمة هذا الكتاب (لقد كان حدا بي حادي الآمال وأملي على ضميري من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا الإسلامي الذي أشعرتني مدة مزاولته متعلما ومعلما بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه ولم أنشب أو أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير فإذا هو يسابقني كأنه من مطايا أبي العلاء القائل: ولو أن المطي لها عقول ** وجدك لم نشد لها رحالا وصادفت أيام عطلة التدريس الصيفية في ذلك العام فقضيت هواجرها الطويلة وبكرها الجميلة في هذا العمل، مشتغلا به عن محادثة الأحباب وعن دعة التنعم بمغتسل بارد وشراب، حتى وقف بي القلم عند انتهاء الاستراحة في مدة شهرين إلى تحرير جملة كانت مشجعتي على مراجعتي عملي هذا في ثلاثة أصناف وعنونته “أليس الصبح بقريب” وكان من العزم تهذيبه وإصداره فحالت دون ذلك موانع جمة لم تزل تطفو وتركد وتغفو وتسهد غير إني لم ادع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها بما ينطبق على كثير مما صمنه هذا الكتاب فاستثبت العمل بكثير من ذلك “وبقي كثير بحسب ما سمحت به الظروف وما تيسر من مقاومة صانع منكر ومانع معروف، ما حرك سواكني إلى إبراز هذه الآراء التي كنت أمليتها ونشر الأوراق التي خشيت عليها عواصف الأهواء فطويتها” ص7.   الشيخ الطاهر ابن عاشور: المنظر والمصلح: والحمد لله، فإن هذه الأوراق التي خشي عليها سماحة الإمام رحمه الله عواصف الأهواء ها هي بين أيدينا مهيأة لكي نستفيد منها ونستنير بها في مسيرة إصلاح الزيتونة التي لا تعرف النهاية كما لا تعرف القوالب الجاهزة باعتبار أن سماحته نفسه عندما هيأت له الأقدار الإمساك بمقود الزيتونة شيخا للجامع الأعظم وفروعه فإنه يقول (غير إني لم أدع فرصة إلا وسعيت إلى إصلاح التعليم فيها بما ينطبق على كثير مما ضمنه هذا الكتاب فاستتب بكثير من ذلك وبقي كثير). فلقد رسم الشيخ الإمام رحمه الله ملامح الإصلاح في هذه المؤسسة التعليمية المختصة بخبرة وتجربة وبعد نظر وسعة اطلاع لم تتوفر على ما نعلم لمن عاصروه لأجل ذلك تبقى لهذه التجربة خصوصية من حقها علينا أن نعتبرها ونعتمد عليها ونعود إليها للاستفادة منها. وسماحة الشيخ الإمام رحمه الله لا يخفي مخاطر خوض غمار هذا البحر: بحر الإصلاح المتلاطم الأمواج والمتعدد الجوانب والمتوقف على هذا المقصد الجليل المغفول عنه (مبدإ إصلاح التعليم) يقول الشيخ الإمام (ولطالما كنت أقدم رجلا وأوخر أخرى واعلم أن نور عقلي هو دون إضاءة هاته المجاهل التي صفدت عليها منافذ الأنوار والأهوية الخالصة فامتلأت بالحوامض الرديئة منذ أزمان) ص6. ولكن الشيخ يمضي في سبيله بعزيمة وإصرار وإيمان واقتدار قياما بواجب النصح للأمة وأداء للأمانة معبرا عن الآراء الجريئة ومقدما من أوجه النقد البناء ما ينم عن شجاعة واعتداد هي شيمة المصلحين قديما وحديثا. يقول الشيخ الإمام (إذن كان واجبا علينا خدمة للأمة وتهيئة للنشأة العلمية التي تزين مستقبلنا وتجمّل ماضينا أن ندخل تلك المجاهل نرفع بإحدى يدينا مشاعل النور ونقطع بالأخرى ما يمانع من حجرات العثور فإن لم نصل بعد إلى غاياتها فعسى أن لا نبعد، وإن سلمنا من أن نشقى باللئام فما ضرنا أن لا نسعد ولنا في ذلك كله معذرة العارفين وشهادة وتزكية المنصفين) ولا شكّ أن الشيخ الإمام قد بلغ مبتغاه وبلغ مراده وفاز بالحسنيين قد شهد له وزكاه المنصفون وكتب اسمه بأحرف من نور في تاريخ مؤسسة الزيتونة العريقة وبقي أثره في تلك الأجيال المتعاقبة من قادة الفكر والرأي والعلماء الأعلام المصلحين الأخيار.   منهج يجمع بين المعقول والمنقول: ودون أن ندخل في تفاصيل هذا الكتاب الوثيقة والمنهج “أليس الصبح بقريب” لا يمكن إلا أن نشير ونلفت الاهتمام إلى المنهج المبني على المعقول الذي يقدمه سماحة الإمام على المنقول لمزيد حصول الاقتناع ولينتهي رحمه الله إلى حتمية التطابق الكامل بين صحيح المنقول وسليم المعقول في دين الإسلام الحنيف سلوكا للطريقة الإبراهيمية المنوه بها في القرآن الكريم قال “أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي” (سورة البقرة/206) لأجل ذلك نرى الشيخ الإمام يعدد توطئة لمشروعه الإصلاحي الرائد، وإقناعا به يقدم بمقدمات وممهدات على غرار تلك التي افتتح بها تفسيره الجليل التحرير والتنوير- وفي هذا المنهج أيضا سار نجله المنعم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله عندما وضع برامج الكلية الزيتونية حيث جعل فيها مداخل كانت لنا معاشر طلبة هذه الكلية مقدمات ضرورية سدت لنا كثيرا من الثغرات في تكويننا وكملت عديد النقائص في محصولنا جامعة بأحكام بين علوم المقاصد والوسائل. لقد جاءت مقدمات “أليس الصبح بقريب” متدرجة من العموم إلى الخصوص مقيمة الحجة والبرهان العقلي والعملي على ضرورة الإصلاح وحتميته في كل عمل بشري واخذ كل الأمم بهذا المسلك القويم بإيجاز غير مخل يأتي الشيخ الإمام على أطوار التعليم في مهد الإسلام الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده ليدرك القارئ عمق التحول الذي أحدثته الرسالة المحمدية في الأمة العربية والرقي الذي أنجزته بفضل تعاليمها التعليمية بالخصوص. وبثراء وعمق لا يمكن إدراكه إلا بتكرار القراءة وإعادتها لتلك الصفحات الأولى يهيئ سماحة الشيخ الإمام للقارئ مادة علمية موثقة ندر أن نجد لها نظيرا وشبيها في ما ألف من كتب وبحوث بالخصوص إذا وضعنا في اعتبارنا أنها مجرد مقدمة وتمهيد ولا يأتي بالمقدمات والممهدات المختصرة والمفيدة المقنعة إلا نحرير مثل سماحة الشيخ الإمام.   أطوار التعليم العربي الإسلامي: ويتابع سماحة الشيخ الإمام بعد ذلك مختلف أطوار التعليم العربي الإسلامي متوقفا عند كل علم مدققا للنشأة والتطور مذكرا بالمؤسس مشيرا إلى أول مدون في كل فن منتهيا إلى أن كل العلوم والمعارف وسائل ومقاصد نشأت وتطورت وازدهرت لتحقق للإنسان احد غرضين وهدفين وهما إصلاح عاجل دنياه وآجل آخرته. ويبدأ الشيخ الإمام متابعته لنشأة العلوم والمعارف بعلوم الشريعة التي هي اشرف العلوم وأفضلها من تفسير للقرآن وتدوين للحديث وفقه وأصول فقه ثم الأدب وعلوم البلاغة والتاريخ والأخبار والعلوم الرياضية والفلسفية مفصلا القول في نشأة الفرق معيدا لها إلى أصولها الأربعة: القدرية والصفوية والخوارج والشيعة. ثم يتطرق الشيخ الإمام في الفصول الموالية إلى صفة التعليم الإسلامي وأساليبه ومناهجه في مختلف العصور. ويتوقف رحمه الله عند درجتي التعليم مبتدئا بما يسمّى اليوم التعليم الابتدائي أو الأساسي وما كان يسمّى بالتأديب والمرتكز أساسا على تعليم القرآن الكريم إما في بيوت المعلمين أو في بيوت مخصصة للتعليم موردا أن هذه المسألة وقع التطرق إليها وبحث جواز القيام بها في المساجد أو عدم جوازه منذ عصر إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه قال: وسئل مالك عن تعليم الصبيان في المسجد فقال لا أرى ذلك يجوز لأنهم لا يحتفظون من النجاسة ولم ينصب المسجد للتعليم. ويتابع سماحة الشيخ الإمام مسألة تعليم الصبيان التعليم الابتدائي الأساسي في مختلف جوانبها مبينا تطورها وأساليبها موردا مختلف الآراء فيها متعرضا إلى تعليم البنت والتجاوز بتحفيظ الصبي القرآن الكريم إلى تحفيظه الشعر والحكم والأدب وتعليمه الكتابة وتلقينه ما يناسب عمره من حديث وفقه تهيئه لدخول الدرجة الثانية وهي التعليم الذي فوق الابتدائي والمتمثل في تلقي دروس العلوم بالفهم وشرح المتون ثم يرتقي بالتلميذ في دراسة كتب العلوم بشروح وحواش ينتقل من انتهاء كتاب إلى أوسع منه من عمله ببسط شرح وزيادة مسائل ويقدم الشيخ الطرق الثلاث المتوخاة في ذلك والتي يفصل القول فيها بما يشفي الغليل وبما فيه الكفاية والاستيعاب.   أهلية التصدي للتعليم: ويحدد سماحة الشيخ المقاييس المعتمدة في معرفة الأهلية للتصدي للتعليم مؤصلا لها وعائدا بها إلى أمثال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (أفرضكم زيد وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبيل) أو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (هو مَنْ علمتم) منتهيا بإيراد رأي إمام دار الهجرة وقال مالك ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتوى جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد فإن رأوه لذلك أهلا جلس وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم إني موضع لذلك. ولا يورد سماحة الشيخ الإمام رحمه الله تعقيبا على ما اتخذه خاتمة لهذا الباب باعتبار انه لا يحتاج معه إلى مزيد بيان فالمقياس أولا وأخيرا في التصدي للتعليم عموما والتعليم الديني خصوصا إنما هو الأهلية التي يشهد بها العدول الثقات باعتبار أن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم وهي القاعدة الأصلية والركيزة الأساسية التي ينبغي أن تؤسس عليها الدراسة في المؤسسات العلمية الدينية.   الطريقة الزيتونية في التعليم: ويصف الشيخ الإمام الدروس ويقسمها إلى دروس خاصة وهي أن يوكل إلى تعليم احد إلى بعض العلماء وكان هذا شعار أبناء الملوك والكبراء، ودروس عامة يكتب فيها الطلبة ما يسمعونه وكان الطلبة يجلسون حلقا ويقفون قائمين ويكتبون من جلوس ومن قيام ويختم الشيخ الإمام هذا الفصل الشيق بذكر كيفية سير الدرس في جامع الزيتونة (وكان الأساتذة التونسيون بجامع الزيتونة يسمون التلميذ الذي يجلس مواجها للأستاذ في الحلقة مدونا وهو الذي يسرد ما يرى الأستاذ سرده من الكتاب المقروء وهو الذي يسرد الأحاديث النبوية في الدروس الرمضانية فيما أدركناه من دروس بعض شيوخنا ثم فرطوا في ذلك فلم يبق به عمل) ص54. والمضي مع سماحة الشيخ الإمام في استعراضه الشيق لمسار التعليم لا يسمح به المجال الضيق والمحدد وحسبنا فقط أن نكون قد نوهنا في هذا المقام بأهمية هذا المؤلف وحتمية العودة إليه والاستنارة به من طرف كل طالب علم ديني بالخصوص فضلا عن أنه لا غنى عنه بالنسبة للمدرسين والقائمين على حظوظ الكليات والجامعات الإسلامية وفي طليعتها الزيتونة المباركة. ويستعرض سماحة الشيخ في كتاب “أليس الصبح بقريب” كل المواضيع فلا وجود لمحظور وممنوع بالنسبة إليه ولا يترك شاردة ولا واردة صغيرة أو كبيرة يمكن أن تحيط بموضوعه وتفيد قارءه وتنير له السبيل إلا ويتطرق إليها ويتكلم فيها كلام العالم النحرير الذي لا معقب عليه لقوة حجته وصحة دليله. فهو يتحدث عن مواضيع التعليم وأماكنها في المجتمع الإسلامي وتطورها التدريجي ويتكلم عن تعليم المرأة ثم يستعرض انبثاث العلوم الإسلامية في أقطار الإسلام من مصر إلى افريقية والأندلس إلى بلاد الفرس والمغرب الأقصى متوقفا عند مواضع التعليم في إفريقيا والمغرب وانتشار العلم في الأندلس وأسلوب ومواضيع التعليم فيهما كل ذلك بدقة وتمحيص واستقصاء لا تطويل فيه ولا اقتضاب. وفي ثنايا هذه الفصول الممهدة يعطي سماحة الشيخ الإمام تونس وعلماءها وحواضرها ما تستحق من التنويه والإشادة مما يقيم الحجة والبرهان على عراقتها وتجذرها وسالف إشعاعها على محيطاتها القريبة والبعيدة من ذلك قوله: كانت تونس بلد علم منذ كانت قاعدة إفريقيا أي بعد خراب القيروان سنة 449 وبعد خمود الفتن التي كانت سجالا بين الصناهجة والموحدين. ويورد سماحة الشيخ الإمام في كتابه أليس الصبح بقريب بعض الوثائق الهامة المصورة لحال التعليم في جامع الزيتونة من ذلك ما وصف به ابن خلدون كيفية قراءته وبعض الكتب التي قرأها وهي وثيقة جد هامة تصور بحق مدى التبحر العلمي والتوسع المعرفي للدراسة في جامع الزيتونة في ذلك الزمن المتقدم. ويورد سماحة الشيخ الإمام جريدة موثقة لأسماء بعض علماء العصر الحفصي فإذا فيهم ومنهم ابن عبد السلام ومحمد بن سلامة شيخ ابن عرفة وابن عصفور (الإمام في النحو) والقلشاني شارح الرسالة والبرزلي والأبي وابن ناجي وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم. ولا يتأخر سماحة الشيخ الإمام عن تصوير ما آل إليه التعليم بعد تلك الفترة الناصعة المشرقة من تاريخ الجامع الأعظم من جمود وتأخر وتقهقر صاحبته أحداث عديدة تصور مدى الانحلال والضعف الذي آلت إليه الأوضاع العامة في البلاد التونسية من ذلك ما أورده سماحته في صفحة90 من كتاب “أليس الصبح بقريب”. ولم يلبث وضع التعليم في الجامع الأعظم أن تحسن وتطور بما توفر من عناية واهتمام من طرف علي بن محمد بن علي الملقب بالباشا سنة 1153 ومن جاء بعده من الأمراء. وفي هذه الفترة من تاريخ الجامع الأعظم يورد لنا سماحة الإمام جريدة اسمية أخرى للمدرسين الأولين موثقة بتواريخ وفاة كل واحد منهم. وهي الفترة التي ظهرت فيها الدروس الشهيرة في العلوم الشرعية والعربية بالجامع الأعظم حيث درس البيضاوي والبخاري والمحلي وشرح التلخيص وما يضاهي ذلك من الكتب العلمية العليا. ويعود سماحة الشيخ الإمام إلى موضوع درجات التعليم في تونس ويقصد بالتعليم في كتابه التعليم الزيتوني فيشبعه درسا مبينا ما يفضي إليه من مراتب وشهادات وما يتلقاه التلميذ الصغير والطالب في المرحلتين الثانية والثالثة من علوم ومعارف وما ينتهي إليه من شهادات.   تجارب الزيتونة مع حركة الإصلاح: وفي الفصل الذي عقده سماحة الشيخ الإمام لدروس الجمعية الخلدونية يورد النص الحرفي للدرس الأول الذي ألقاه الأستاذ الجليل سالم بوحاجب والذي بين فيه أهمية العلوم التي تأسست الجمعية لبثها في طلبة العلم. ولا شك أن لإيراد هذا الدرس بالذات أكثر من مغزى ومرمى إذ أقل ما فيه تجاوب علماء الزيتونة الأعلام منذ ذلك الزمن المتقدم مع الدعوة إلى الإصلاح التي بدأت تبرز في أنحاء شتى من العالم الإسلامي والتي تعتبر الزيتونة سباقة في التجاوب معها والتفاعل العملي بها من خلال صفوة لا شكّ أن في طليعتهم سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رغم حداثة سنه فقد عدّ بحقّ سفير الحركة الإصلاحية التي دعا إليها السيد جمال الدين الأفغاني وقام من اجل بثها بين صفوف الأمة وعلمائها بالخصوص الشيخ الإمام محمد عبدة بزيارات للبلدان الإسلامية والذي خص البلاد التونسية بزيارتين حيث اجتمع بالعلماء والطلبة وألقى الدروس والمحاضرات على منابر جمعياتها وعاد إلى مصر مطمئنا أن حركة واعدة في مجال إصلاح التعليم الإسلامي يوشك أن ينبلج فجرها في تونس وتشاء الأقدار أن يكون المظهر لهذا الإصلاح والمجسم له في برامج التعليم الزيتوني ومنهاجه وفي أوضاع المدرسين ومختلف مراتبهم وفي تأسيس الفروع بتونس وخارجها وفي تنظيم الشهادات ونظم الامتحانات هو سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور.   ابن عاشور سفير الحركة الإصلاحية في الزيتونة : وما كان يمكن لغير سماحة الشيخ الإمام أن يقوم بهذه المهمة اللازمة والضرورية فقد اجتمعت لديه من الخصال والملكات والصفات والامتيازات والمؤهلات ما جعل لرأيه السداد ولمنهجه سلوك سبيل الرشاد غير عابئ بالجامد غير المدرك لما يواجه الأمة وقلاعها العلمية من تحديات لابد من الاستعداد لها والتهيؤ لمواجهتها وغير مفرغ أيضا لخصوصيات ومميزات التعليم الإسلامي الزيتوني من مضامينها الأساسية التي تجعلها قادرة على القيام بالدور المنوط بها أحسن قيام وأتمه. ولقد كان دائما وأبدا هذا المسلك الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط أصعب المسالك وأقلها قادة وروادا ولكنه قدر الكرام الذين هم قليل دائما. لأجل ذلك فإن سماحة الشيخ الإمام عندما تعرض في الجزء الثاني من الكتاب “أليس الصبح بقريب” إلى أسباب تأخر التعليم وكيفية إصلاحه فإنه لم يكتف بالتشخيص وهو تشخيص دقيق لا مجال فيه للعاطفة أو المجاملة، لقد عدد سماحة الشيخ الإمام النقائص الواحدة تلو الأخرى واستقصاها جميعها بداية بمضامين البرامج والمواد مادة مادة: مواضع الخلل فيها وأسباب العزوف عنها وضعف الاستفادة منها، والطاقات المهدرة فيها واصفا بدقة وخبرة ومنهجية ما يصلح كل مادة على حدة وما يجعل كل طالب يستفيد الاستفادة القصوى من وقته وتحصيله وتحقيق الإضافة اللازمة بعد ذلك. وسماحة الشيخ الإمام في تقويمه وإصلاحه لا يعرف المجاملة ولا تأخذه في الحق لومة لائم يعطي من نفسه ومن دروسه ومدى عنايته بها المثل والنموذج حتى حقق حوله إجماعا لم يضر به من يشذ. فهل يا ترى أعتبر نفسي قد بلغت بعض ما أردت من لفت الاهتمام والانتباه في هذه المرحلة بالذات من مراحل تاريخ الزيتونة المباركة، حسبي من كل ما قلت وأشرت إنني قدمت في هذه العجالة بعضا من حق الزيتونة علينا وحق شيخها الأكبر وإمامها الأعظم سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور وعسى أن يكون ذلك دافعا لي ولأسرة الزيتونة عموما لمزيد الانكباب على هذا الكتاب المشروع “أليس الصبح بقريب” فإنه كتاب لا تكفي فيه ومنه قراءة واحدة كما قال حفيد الشيخ الأستاذ الدكتور محمد العزيز ابن عاشور.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.