جهود العلماء قديما وحديثا في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنقيتها من الشّوائب

جهود العلماء قديما وحديثا في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنقيتها من الشّوائب


لا تزال السنة النبوية الطاهرة منذ أن أرسل الله بدين الإسلام سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام تحظى بعناية علماء الأمة فهي الأصل الثاني من أصول الإسلام عكفوا عليها بعد أن اطمأنوا على تدوين وجمع القرآن وتوحيد الأمة على نسخة واحدة ونص لا اختلاف فيه ولا حوله وهو ما تعهد به قبل ذلك المولى سبحانه وتعالى بحفظه حيث قال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقد حفظ الله سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن فهي التي تبينه (لتبين للناس ما نزل إليهم). إن السنة النبوية الطاهرة التي هي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراراته والتي هي وحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوتيت القرآن ومثله معه) وهذا الذي مع القرآن وهو لا شك السنة. * والقرآن محتاج إلى السنة لتفصيل المجمل وتقييد المطلق وتخصيص العام ولا سبيل إلى فهم القرآن ولا سبيل إلى تطبيق ما ورد فيه من أوامر: إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، حج البيت إلا بالاستناد إلى السنة والعودة إليها فهي الني بينت المقادير والكيفيات وغير ذلك ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته (صلوا كما رأيتموني أصلى) وقوله (خذوا عني مناسككم) * والقرآن الكريم هو العاصم للسنة والحافظ لها باعتباره المقياس والمقباس وباعتباره الحكم الفصل ويستحيل أن تتناقض أو تتعارض السنة مع الكتاب وكيف يتعارضان أو يتناقضان ومصدرهما واحد؟ * إنهما وحي من عند الله (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) لذلك كان تأكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمسك بهما مع يعضهما البعض بلا انفكاك ولا انفصال حيث قال عليه الصلاة والسلام (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي). * ولقد اقتضى الحفاظ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علماء الأمة جهودا كبيرة باعتبار أن السنة لم يتعهد الله بحفظها كما هو الحال بالنسبة للقرآن الكريم فما إن جمع القرآن (الجمع الأول في عهد الخليفة الأول أبو بكر الصديق والجمع الثاني والأخير في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنهما) حتى وجد علماء الأمة أنفسهم أمام مهمة عظيمة وخطيرة ألا وهي تدوين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. * وبدأت هذه الرحلة مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: جمعا ورواية وتحقيقا وتدقيقا ولم يكن من دافع لها سوى حفظها وتنقيتها من أن يتسرب إليها المكذوب الموضوع والمختلق المفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب عليه الصلاة والسلام ليس كالكذب على سواه، فقد توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعليه بالعذاب الشديد حيث قال عليه الصلاة والسلام (من كذبا علي ليس ككذب على احد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ومع هذا الوعيد الشديد والعذاب الذي أعده الله لمن يفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلق البعض وسمحوا لأنفسهم بان يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مدركين خطورة ما يأتونه. * وقد وُجد هؤلاء الكذابون المفترون زورا وبهتانا فكان أن قيض الله لهم علماء أعلاما نذروا حياتهم لتنقية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل المفتريات والأكاذيب، علماء اخلصوا عملهم لوجه الله لا يريدون من وراء ما بذلوه من جهود مضنية جزاء ولا شكورا فكان الواحد منهم يسافر المسافات الطويلة جدا على ظهور الإبل أو غيرها من اجل أن يتحقق ويتبين من صحة رواية وكان من ثمرة جهودهم تلك أن تأسس علم تاريخ الرجال وهو علم الجرح والتعديل وهو العلم المتمحض لمعرفة الثقات العدول والضابطين من أولئك الضعاف وخفيفي الضبط والكذابين المفترين إنها كتب تمحضت في أسماء الرجال وطبقاتهم وتسلسلها وما اتصل منها وما انقطع وقد جعل العلماء العاملون في حقل السنة النبوية الشريفة عنوانا لعملهم في هذا المجال (إن هذا الأمر دين فانظروا عن من تأخذون دينكم). فاتصلت بفضل هذه الجهود المبكرة الأسانيد ورتبت فإذا أعلاها المسماة بالسلسلة الذهبية (مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). * ولقد شهد بسبق علماء المسلمين في التدقيق والتحقيق والضبط في التبليغ لما ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل المنصفين في القديم والحديث ولا عبرة بمن أنكروا الشمس في رابعة النهار وأبوا إلا أن يشككوا ويبثوا الريب في الأصل الثاني من أصول الإسلام فهؤلاء لن ينقطع سندهم وستظل جهود علماء الأمة قديما وحديثا بالمرصاد لافتراءاتهم وأكاذيبهم وشبهاتهم بالمرصاد انه الصراع الأزلي بين الخير والشر والحق والباطل ولن تكوون الغلبة في النهاية إلا للخير والحق (أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (إن الباطل كان زهوقا) * إن جهود علماء الأمة في خدمة السنة النبوية الطاهرة لا سيما السلف الصالح منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان إلى زماننا الحاضر وما بعده إلى ما شاء الله جعلت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أقواله وأفعاله وإقراراته بل سائر أحواله وهديه نقية سليمة من كل شائبة يجد فيها المسلم مبتغاه ومراده وروحه ويتخذها سراجه الذي به يهتدي إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. * إن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي اليوم ومنذ قرون مديدة (من بداية القرن الثاني للهجرة) في مدونات هي ثمرة لغربلة دقيقة وفق معايير مضبوطة استبعد بها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مكذوب موضوع. إنها كتب تلقتها الأمة بالقبول الحسن وليس لذلك من سبب إلا لإخلاص أصحابها فيها (وما كان لله دام واتصل) وتفانيهم فيما نذروا أنفسهم إليه من جهود مضنية كان نتيجتها أن أعمالهم صمدت أمام كل وسائل التمحيص والتثبت فما وجد فيها للهوى والشهوة سبيل كما لم يعثر فيها على هنة أو سقطة أو مخالفة للمنهج الصارم في التحقيق والتدقيق. * لقد انصبت الجهود على الأسانيد فمحصتها ولم تهمل المتون والمضامين باعتبارها الهدف والمقصد فجاءت مدونات السنة النبوية الطاهرة من الموطأ للإمام مالك إلى صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وهذه هي الطبقة الأولى في الدرجة الأعلى في الصحة والثبوت ثم تلتها مدونات أخرى لا تقل عنها أهمية بها أضحت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظة مدققة محققة مضبوطة مبوبة لتنبثق عنها مدونات أخرى خدمت السنة شرحا وتبيينا واستنباطا وتفقها * ولا تزال جهود علماء الأمة متواصلة في خدمة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو هدي الله لعباده في دين الإسلام الحنيف، جهود خيرة تذكر فتشكر جاء الكثير منها في شكل تحقيق وإخراج لنفائس المدونات التي ظلت مخطوطة لا يصل إليها إلا القلة القليلة من الناس ولا تزال المطابع ودور النشر تتحفنا بأعمال علمية تتصل بها جهود الخلف بالسلف وخدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم السلف بالتأليف يشهد للسلف بسعة العلم ودقة الفهم والصبر على تقييده ثم التأليف فيه تأليفا يأتي بالجديد المفيد كما يشهد للخلف بالهمة العالية والرغبة الصادقة في إخراج جهود الأوائل وإفادة الأمة بها وفي ذلك ابلغ رد علمي رصين على التقولات والشبهات التي يلقى بها سبهللا هكذا بعض الأدعياء الذين زادهم في العلم اقل من القليل ودعاويهم وإتباعهم للهوى واضحة جلية. منهج علماء الحديث في التأويل بين المختلف لا تزال السنة النبوية محل عناية واهتمام العلماء والباحثين ولا تزال قضايا عديدة تتعلق بالحديث رواية ودراية محل توقف المهتمين بالثقافة الإسلامية من المسلمين وغير المسلمين، وقضايا الحديث والسنة كثيرة وعديدة وهي لا تزال تحتاج إلى العودة إليها والنظر إليها بتفحص وتمعن للخروج منها للأمة بمختلف أجيالها بما يشفي الغليل ويحصل به الإقناع والاطمئنان. ومن هذه القضايا، قضية مختلف الحديث. والبحث الذي بين أيدينا يتطرق إلى هذه المسألة في محاولة لاعطاء فكرة ولو محدودة عنها. التعريف: مختلف الحديث هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح احدهما على الآخر. وتكاد تكون التعريفات لهذا النوع من الحديث لا تختلف، فلقد اجمع ابن الصلاح والسيوطي والحافظ ابن كثير والعراقي على انه ما اختلف من الحديث الصحيح ظاهريا. ولقد صنف في هذا النوع من الحديث الكثير من العلماء، وخصه بعضهم كالإمام الشافعي وابن قتيبة بمجلد خاص للتأليف بين مختلفه وتأويله. وعلم مختلف الحديث كما يشير إلى ذلك جل من كتب فيه وتناوله بالبحث والدرس نوع من أهم الأنواع يضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف. ويقول السيوطي في تدريب الراوي (وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني). وشرط السيوطي في محله فهذا التناقض والاختلاف الظاهري مدعاة إلى الشك خصوصا لدى أصحاب الأهواء الذين لا هم لهم إلا إحداث الثغرات والقضاء على السنة النبوية الطاهرة بما يحدثونه من بلبلة وما يبثونه من شكوك وما ينشرونه بين عامة الناس من مفتريات سرعان ما يغتربها الجهلة وكل من زادهم في العلوم الدينية ضعيف. ولقد قيض الله لهذه الأمة من يجمع السنة وينقيها من الشوائب ويدفع عنها الأباطيل وأراء أصحاب الأهواء الضالة والغايات الخسيسة. فصنفوا في هذا الباب العديد من الكتب والمجلدات وسطروا قواعده وارسوا أركانه ثم ركزوا بعد ذلك الشروط التي ينبغي على كل من ينتصب لتأويل مختلف الحديث أن يستوفيها. ويقول ابن قتيبة في مقدمة طويلة وضعها لكتابه النفيس تأويل مختلف الحديث منبها المسلمين إلى خطر أراء أصحاب الأهواء والمذاهب مشيرا للأمة على من تأخذ تعاليم دينها: (وإما ألا تساء فبالعلماء المبرزين والفقهاء المتقدمين والعباد والمجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم مثل سفيان الثوري ومالك ابن أنس وشعبة والليث بن سعد والأوزاعي وعلماء الأمصار إبراهيم بن ادهم ومسلم الخواص والفضيل بن عياض وداود الطائي ومحمد بن النظر الحارثي واحمد بن حنبل وبشر الحافي… ثم يقول فإذا نحن أتينا أصحاب الكلام لما يزعمون أنهم عليه من معرفة القياس وحسن النظر وكمال الإرادة وأردنا أن نتعلق بشيء من مذاهبهم ونعتقد شيئا من نحلهم وجدنا النظام شاطرا من الشطار يغدو على سكر ويروح على كسر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات). عن النوع الأول من العلماء يجب أن نأخذ حقائق ديننا وتأويل أحاديث نبينا عليه الصلاة السلام فهم اعرف الناس بسيرته وسيرة أصحابه وأكثر من غيرهم اطلاعا على أحوال الرواية وتواريخ الأحاديث وأسباب قولها. ولقد تبحر الكثير منهم في علم الحديث والفقه وسبلوا حياتهم للذود عن السنة الطاهرة. فلم يروا في اختلاف كلام النبي صلى الله عليه وسلم أي حرج ولا ضعف في رسالة الإسلام بل خرجوا لهذه الأحاديث وأولوها واستنبطوا أسباب اختلافها ثم وضعوا القواعد لمن يأتي بعدهم كي لا ينزلق في الشك والتناقض وكي يطمئن قلبه لسمو مبادئ الإسلام وعدم تناقضها. ولم يكن مختلف الحديث يمثل مشكلة لكبار علمائنا ولا حتى توقفا فقد قال الإمام أبو بكر بن حزيمة: (لا اعرف حديثين صحيحين متضادين فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني به لأؤلف بينهما وانتقد عليه بعض صنيعه في توسيعه). وإنما قصد هنا التأويل حسب القواعد المشروعة من ناسخ ومنسوخ وترجيح وما إلى ذلك، وليس التأويل الباطني أو الذي فيه تمحل وتصنع. منهج علماء الحديث في التأليف بين المختلف إن المنهجية التي سلكها علماء الحديث في الجمع والتدوين والجرح والتعديل، هي نفسها اتبعوها في تأويل مختلف الحديث والتأليف بينها حتى عدت بحمد الله قواعد منطقية أرست قواعد علم الحديث وقوت اسمه وقضت إلى الأبد على أكاذيب وأباطيل أصحاب الأهواء والغايات. يقول العراقي في الفيته: والمتن إن نافاه متـن آخـر * وأمكن الجمع فـلا تنـافر كمتن “لا يورد” مع لا عدوى * فالنفي للطبع وفر عــدوا أولا فعن نسخ بدأ فاعمل به * أولا فرجح واعملن بالأشبه والمختلف كما يقول السيوطي قسمان: احدهما يمكن الجمع بينهما، بوجه صحيح فيتعين ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ ويجب العمل بهما ويضرب السيوطي لذلك بحديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وحديث خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، فان الأول ظاهره طهارة القلتين، تغير أم لا والثاني ظاهره طهارة غير المتغير سواء كان قلتين أو اقل فخص عموم كل منهما بالآخر. ويقول ابن قتيبة في تأويل حديث لا يورد ممرض على مصحّ وفر من المجذوم فرارك من الأسد، مع حديث لا عدوى، وكلها صحيحة (قالوا حديثان متناقضان) قالوا رويتم عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال: لا عدوى ولا طيرة وان النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل فقال ما أعدى الأول، قال هذا أو ما معناه، ثم رويتم خلاف ذلك (لا يوردون ذو عاهة على مصحّ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد)، واتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن عليه، وقال الشؤم من المرأة والدار، قالوا وهذا كله خلاف لا يشبه بعضه بعضا. قال (أبو محمد) ونحن نقول انه ليس في هذا اختلاف ولكل منها معنى وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الاختلاف والعدوى (نوعان) جنسان احدهما عدوى الجذام فان المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومؤاكلته. وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الأذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكثير إليه وكذلك من كان به تسقم من أطال اشتمامها والأطباء ابعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير وهي جرب رطب فإذا خالطها الإبل وحاكها في مباركها أوصل إليها بالماء الذي يسيل منه والنطف نحوا مما به وهذا هو المعنى الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لا يوردن ذو عاهة على مصح كره أن يخالط المعيوه الصحيح فينا له من نطفه وحكته نحوا مما به ص124. وقد قال ابن الصلاح: إن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها الصحيح سببا لأعدائه مرضه وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب ويرى النووي: أن نفي العدوى باق على عمومه والأمر بالفرار من باب سد الذرائع: لئلا يتفق الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى: ويرى أبو بكر الباقلاني: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه تخصيص من عموم نفي العدوى فيكون معنى قوله: لا عدوى إلا من الجذام ونحوه. والقسم الثاني لا يمكن الجمع بينهما بوجه: فان علمنا احدهما ناسخا قدمناه وإلا عملنا بالراجح منهما كالترجيح بصفات الرواة وكثرتهم في خمسين وجها ولقد فصل السيوطي هذه الوجوه. فإذا هي تنقسم حسب رأيه إلى سبعة أقسام: القسم الأول: الترجيح لحال الراوي 1) كثرة الرواة 2) قلة الوسائط أي علو الإسناد 3) فقه الراوي 4) علمه بالنحو 5) علمه باللغة 6) حفظه 7) أفضليته –(بان يكونا فقيهين نحويين حافظين واحدهما في ذلك أفضل من الآخر) 8) زيادة ضبطه 9) شهرته 10-20) كونه ورعا أو حسن الاعتقاد أي غير مبتدع 21) أن تثبت عدالته بالاخبار بخلاف من تثبت بالتزكية 22-27) أن يعمل بخبره من زكاه 28) أن يكون صاحب القصة: كتقديم خبر أم سلمة زوج النبي (ص) في الصوم لمن أصبح جنبا على خبر الفضل بن عباس في منعه لأنها اعلم. 29) أن يباشر ما رواه 30) تأخر إسلامه وقيل عكسه 31-40) كونه أحسن سياقا واستقصاء للحديث أو اقرب مكانا أو أكثر ملازمة كترجيح رأي على رأي في الأقضية ومعاذ في الحلال والحرام وزيد في الفرائض والإسناد الحجازي. القسم الثاني: الترجيح بالتحمل القسم الثالث: الترجيح بكيفية الرواية القسم الرابع: الترجيح بوقت الورود: تقديم المدني على المكي. التخفيف الخ القسم الخامس: الترجيح بلفظ الخبر: الخاص على العام القسم السادس: الترجيح بالحكم: تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة. القسم السابع: الترجيح بأمر خارجي كتقديم ما وافقه ظاهر القرآن أو سنه أخرى. هكذا يتجلى لنا اعتناء علماء الإسلام المختصين بعلم الحديث بموضوع المختلف ودراستهم الجادة بحيث لم يتركوا شاردة ولا واردة وردوا كل الأباطيل وارسوا كما بينا باختصار في عرض منهجيتهم قواعد الترجيح مستندين في كل ذلك إلى أقيسة وأبنية تعتمد روح الإسلام وموافقته للعقل والفطرة التي فطر الله الناس عليها. ويطيب لي أن انهي هذا العرض بتخريج جميل لابن قتيبة لبعض أحاديث النبي (ص) يقول: * قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه) ثم رويتم (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه. وان النطفة إذا انعقدت بعث الله عز وجل إليها ملكا يكتب اجله ورزقه وشقي أو سعيد وانه مسح على ظهر آدم فقبض قبضة فقال إلى الجنة برحمتي وقبض أخرى فقال إلى النار ولا أبالي)، قالوا هذا تناقض واختلاف فرق بين المسلمين واحتج به أهل القدر وأهل الإثبات. قال (أبو محمد) ونحن نقول انه ليس بينهما تناقض ولا اختلاف بنعمة الله تعالى ولو عرفت المعتزلة ما معنا لا ما فارقت المثبتة إن لم يكن إلا لهذا الحديث، والفطرة ههنا الابتداء والإنشاء ومنه قوله تعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) أي مبتدئها من ذلك قوله تعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها) يريد جبلته التي جبل الناس عليها وأراد بقوله (كل مولود يولد على الفطرة أخذ الميثاق الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم (وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى) فليس واحدا احد إلا وهو مقر بان له صانعا ومدبرا وان سماه بغير اسمه أو عبد شيئا دونه ليقربه به منه عند نفسه أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه التعالي عنه علوا كبيرا قال تعالى (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) فكل مولود في العالم على ذلك العهد والإقرار وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق ص159. (قالوا حديثان متناقضان) قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول) ورويتم عن عيسى بن يونس عن أبي عوانة عن خالد الحذا عن انس بن مالك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن قوما يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلائه فاستقبل به القبلة قالوا وهذا خلاف ذلك. قال (أبو محمد) ونحن نقول إن هذا الحديث يجوز عليه النسخ لأنه من الأمر والنهي فكيف لم يذهبوا إلى أن احدهما ناسخ والآخر منسوخ إذا كان قد ذهب عليهم المعنى فيه وليساعدنا من الناسخ والمنسوخ ولكن لكل واحد منهما موضع يستعمل فيه فالموضع الذي لا يجوز أن تستقبل القبلة فيه بالغائط هي الصحاري والبراحات وكانوا إذا نزلوا في أسفارهم لهيئة صلاة استقبل بعضهم القبلة بالصلاة واستقبلها بعضهم بالغائط فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يستقبلوا القبلة بغائط ولا بول إكراما للقبلة وتنزيها للصلاة فظن قوم أن هذا أيضا يكره في البيوت والكنف المحتفرة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلائه فاستقبل به القبلة يريد أن يعلمه أن لا يكره ذلك في البيوت والآبار المحتفرة التي تستر الحدث وفي الخلوات في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة. (قالوا حديثان متناقضان) قالوا رويتم أن خباب بن الإرث قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا يعني أنهم شكوا إليه شدة الحر وما ينالهم من الرمضاء وسألوه الإبراد بالصلاة فلم يشكهم أي فلم يجبهم إلى تأخيرها، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابردوا بالصلاة فان شدة الحر مزفوح جهنم قالوا وهذا الاختلاف لإخفاء فيه تناقض. قال (أبو محمد) ونحن تقول أن ليس ههنا بنعمة تعالى اختلاف ولا تناقض لان أول الأوقات رضوان الله وآخر الأوقات عفو الله، والعفو لا يكون إلا عن تقصير، فأول الأوقات أوكد أمرا وآخرها رخصة وليس يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ في نفسه إلا بأعلى الأمور وأقربها إلى الله تعالى وإنما يعمل في نفسه بالرخص مرة أو مرتين ليدل بذلك الناس على جوازها فأما أن يدوم على الأمر الاخس ويترك لأوكد الأفضل فذلك ما لا يجوز فلما شكا إليه أصحابه الذين يصلون معه الرمض وأرادوا منه التأخير إلى أن يسكن الحر فلم يجبهم إلى ذلك إذ كانوا معه ثم أمر بالابراد من لم يحضره توسعه على أمته وتسهيلا عليهم وكذلك تغلبسه بالفجر وقوله اسفر بالفجر ومما يدل على انه كان يصلي الظهر للزوال ولا يؤخرها حديث اسماعيل بن عليه بن عوف عن المنهال بن أبي بورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الهجير التي يسمونها الأود حين تدحض الشمس يعني حين تزول. المراجع التي وقع الاعتماد عليها: 1) فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي 2) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي 3) الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير 4) تأويل مختلف الحديث للإمام ابن قتيبة 5) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث. عرض كتاب محاضرات في الحديث التحليلي تأليف الدكتور أبو لبابة حسين ضمن إصدارات دار الغرب الإسلامي التي تتخذ من بيروت لبنان مقرا لها صدر للأستاذ الدكتور أبو لبابة حسين كتاب يحمل عنوان “محاضرات في الحديث التحليلي” وقد تجاوزت صفحاته المائتين وسبعين شرح فيها المؤلف خمسا وعشرين حديثا من الأحاديث الصحيحة والأستاذ الدكتور أبو لبابة حسين هو أحد أبناء الزيتونة تخرج منها بامتياز وواصل دراساته العليا في مصر حيث نال شهادتي الماجستير والدكتوراه من الأزهر الشريف بأطروحتين في علم مصطلح الحديث وفي الجرح والتعديل بالخصوص حيث قررت الأطروحة الأولى في عديد الجامعات في البلدان العربية والإسلامية وقد تولى الدكتور أبو لبابة حسين التدريس بالكلية الزيتونية وبجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض كما تولى رئاسة جامعة الزيتونة وإدارة مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان إلى أن انتقل إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين وهو هناك لا ينفك عطاؤه في الازدياد سواء كان ذلك من خلال التدريس والإشراف على الأطروحات أو تقويم الملفات العلمية الأكاديمية التي تحال إليه أو بالمشاركة في الندوات والمؤتمرات بأبحاث علمية جادة تجلب له كل التقدير وقد اختير في السنوات الأخيرة لعضوية المجلس العالمي للمساجد التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وعضوية جائزة الأمير نايف العالمية للسنة النبوية وهو عضو هيئة خريجي جامعة الأزهر عن دول شمال إفريقيا وقد كان الأستاذ الدكتور أبو لبابة حسين عضوا للمجلس الإسلامي الأعلى بتونس في إحدى تشكيلاته السابقة كما تولى الخطابة في جامع القدس بتونس العاصمة فضلا عما اعتاد المساهمة به في الدوريات التونسية كجوهر الإسلام والهداية من أبحاث جادة وله رتبة أستاذ متميز بجامعة الزيتونة حيث يرأس أكثر من لجنة ترقية جامعية وفي كل هذه المواقع الرفيعة يترك الأستاذ الدكتور أبو لبابة حسين أحسن الأثر علما وخلقا ورصانة وإخلاصا وعطاء مفيدا وجادا والذي منه هذا الأثر الذي نعرف به القراء ونلفت انتباههم إليه. وإذا كانت الإحاطة بما تضمنه هذا الكتاب لا يسمح به حيز مقال فإن المؤلف كان وفيا من أول حديث إلى آخر حديث شرحه للمنهج الذي سطره في مقدمته وهو في شرحه يأتي بالجديد المفيد المدقق المحقق من ذلك ما جاء في شرحه للحديث العاشر تحت عنوان: الأمانة قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حتى إذا رأيت أني فرغت من خدمته، قلت: يقيل النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت من عنده فإذا غلمة يلعبون فقمت انظر إليهم، إلى لعبهم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إليهم فسلم عليهم ثم دعاني فبعثني إلى حاجة فكان في فيء حتى أتيته وأبطأت على أمي فقالت: ما حبسك؟ قلت بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاجة فقالت: ما هي؟ قلت: إنه سر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إحفظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره فما حدثت بتلك الحاجة أحدا من الخلق فلو كنت محدثا حدثتك بها) الأدب المفرد الحديث عدد 1154. قال المؤلف (وقد ترجم رحمه الله (البخاري) لحفظ السر هنا بالأمانة وفي الجامع الصحيح ترجم لحفظ السر بقوله “باب حفظ السر” فالسر أمانة والأمانة ضد الخيانة وهي ما يؤتمن عليه من مال ونحوه كالسر، فعلى المؤتمن عليه أن يحفظه كما تحفظ الأمانات فالبوح بالسر كالتفريط في الأمانة وكلها تعد من الخيانات التي تشين صاحبها. أما الأمانة الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: غن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فالمراد بها التكليف وهو المراد من قوله تعالى (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) الأحزاب آية 72. وبعد تبيين المعنى الإجمالي لهذا الحديث والترجمة بإيجاز لرجال السند يشرح المؤلف الحديث بالكلمة والجملة داعما ذلك بأحاديث صحيحة وموردا الأحاديث الأخرى التي هي في نفس المعنى لتبين مدى ثراء السنة النبوية الطاهرة فهي دستور للقيم والأخلاق الكريمة ويخرج المؤلف الحديث ويبين فوائده والتي هي في هذا الحديث أدب الرسول صلى الله عليه وسلم الرفيع ورحمته بالأطفال وسعيه لتأديبهم بالأسوة الحسنة والقدوة العالية لا بالتنظير وحده حيث بداهم بالسلام، أمانة أنس وتعلقه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم سليم أم بارة حصيفة شجعت ابنها على حفظ سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعمل على خدمته وحفظ خصوصياته، السر أمانة لا يجوز البوح به لأسباب شرعية أو يكون متعلقا بمسألة علمية فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من كتم العلم فقال (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار) انظر الصفحة 103 من الكتاب. تلك أيها القارئ عينة لما تضمنه هذا الكتاب القيم الذي لا غنى عنه لمن يريد أن ينهل من معين السنة الطاهرة.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.