تفسير سورة “النصر”: حمد الله واستغفاره هو حال المؤمن مع ربّه في النصر والفتح
بسم الله الرحمان الرحيم “إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا” صدق الله العظيم * سورة النصر من السور المدنية (أي نزلت بعد الهجرة) فقد اعتبر مدنيا كل ما نزل من القرآن بعد الهجرة حتى لو كان هذا النزول وقع بمكة في الطريق إليها أو منها. * وفي صحيح الإمام مسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما : (إن سورة النصر هي آخر سورة نزلت جميعا). والنصر على العدو هو الإعانة عليه والنصر المراد في هذه السورة هو نصر الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم محمد عليه الصلاة والسلام على قريش التي أخرجته من مكة هو وأصحابه وسلطت عليهم كل صنوف الأذى وقد تحمل وتحملوا منها الكثير وصبر وصابر عليه السلام وكذلك فعل أصحابه الذين أذن لهم عليه الصلاة والسلام بهجرة أولى وثانية إلى الحبشة ثم إلى المدينة التي سبقوه إليها حيث تكاثر عددهم إلى أن لحق بهم عليه الصلاة والسلام لا فرارا لان ذلك غير وارد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما بعد ما تلقى الإذن بالهجرة واختار له ربه سبحانه تعالى الزمان والمكان الصالحين. وقد ظل حنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون شديدا إلى مكة المكرمة، البلد الأمين هناك بجوار بيت الله العتيق، الكعبة المشرفة حيث نشؤوا وترعرعوا إلى أن غادروها مرغمين إلى المدينة المنورة وكان في الحسبان أن يدخلوا مكة قبل دخولها في عام الفتح ولكن قريش ردتهم وهم على أبوابها وقريبا منها وكانت ثمرة ذلك معاهدة وصلحا هو صلح الحديبية العظيم الذي تقبّل الصحابة شروطه المجحفة على مضض وانشرح له صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ظاهرا في هذا الصلح وفي تلك المعاهدة إقامة للحجة على قريش وإقامة للشرعية التي ستجعل بعد ذلك كل القبائل العربية التي والت قريش وحالفتها تتخلى عنها بمجرد إخلالها بأحد تلك البنود التي تبدو ظاهرا أنها مجحفة ولكنها في النهاية كلها لصالح المسلمين. لقد بشر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو عائد من صلح الحديبية بفتح مكة ونزل عليه قول ربه جلّ وعلا (إنا فتحنا لك فتحا مبينا). * (إذا جاء نصر الله والفتح) فالنصر يأتي به الله (وما النصر إلا من عند الله) الذي وعد بنصر عباده المؤمنين حيث قال جل من قائل (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). وقال (ولينصرنّ الله من ينصره) وقال (إن تنصروا الله ينصركم). * أما الفتح فهو فتح مكة، فمكة فتحت سلما لا حربا لم ترق فيها قطرة دم واحدة وذلك ما يتناسب مع حرمة البيت العتيق الذي قال الله في حقه ( ومن دخله كان آمنا) وقال (من يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). * فتح الله على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة ووقفت بين يديه قريش صاغرة ذليلة قال لهم عليه الصلاة والسلام (ماذا تروني فاعل بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم: اذهبوا فانتم الطلقاء) بعفو وسماحة وصفح وتجاوز ليس بالغريب على من كان (على خلق عظيم) زاد عليه الصلاة والسلام فقال: (من دخل الحرم فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ولم يسلم أبو سفيان إلا يوم الفتح. هذا النصر المؤزر وهذا الفتح الذي هو فتح الفتوح لا يناسبه إلا الخضوع والخشوع لله والشكر له والحمد على ما أسبغ من نعمة النصر الذي ليس فوقه نصر، إنه الفتح المبين ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة). * (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) والناس هنا تشمل العرب وغيرهم والأفواج بمعنى العدد الكبير وقيل أريد بالناس أهل اليمن فقد ورد من أهل اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين بعضهم يؤذنون وبعضهم يقرؤون القرآن ويعضهم يهللون فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (إذا جاء نصر الله والفتح) وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم سخية قلوبهم عظيمة خشيتهم فدخلوا في دين الله أفواجا. * وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتاكم أهل اليمن هم اضعف قلوبا. وأرق أفئدة الإيمان يمان والحكمة يمانية). والناس الذين دخلوا في دين الله أفواجا فإنهم في آخر الزمان سيخرجون منه أفواجا كما ورد في الآثار ونسأل الله العافية والسلامة. (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) إنه أمر من الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ولكل من يسير على نهجه ويهتدي بهديه. والتسبيح هو التنبيه والاستغفار طلب المغفرة وهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمداومة الذكر لا عن معصية أو ذنب وقع فيه فحاشا له عليه الصلاة والسلام من ذلك فهو المعصوم عن الوقوع في كل محظور مما يغضب الله. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت سورة (إذا جاء نصر الله والفتح) إلا يقول“”سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي“وعنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده”سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". وقد كان عمر بن الخطاب يجلس في مجلس كبار الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ووجد البعض منهم في نفسه شيئا من ذلك باعتبار صغر سنه فسألهم عمر عن معنى قول الله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح...) ففسّروها على ظاهرها فسأل ابن عباس فاقل : إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقترب فقال عمر ما اعلم منها إلا ما قلت، وليس هذا بالغريب من دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل). تلك أيها القارئ بعض من المعاني الكثيرة التي تضمنتها سورة (إذا جاء نصر الله والفتح) أوردنا ما فتح الله به نسأل أن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل وأن يجعلنا بكتابه العزيز من العاملين إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.