تفسير سورة الفلق قل أعوذ برب الفلق

تفسير سورة الفلق قل أعوذ برب الفلق


اشتملت كل من سورة الفلق وسورة الناس على استعاذة بالله. والاستعاذة هي الاستجارة بالله والاحتماء به وقد ورد الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في آيات عديدة منها قوله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فأستعذ بالله انه سميع عليم) وقوله تعالى (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) وقوله تعالى (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فأستعذ بالله انه هو السميع العليم). والشيطان تعني البعيد بفسقه عن الخير والشيطان هو عدونا الألد يقول جلّ من قائل (ان الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوا) والشيطان هو الذي توعّد بني آدم بالإغواء يقول جلّ وعلا (فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين) ولكن الله تبارك وتعالى حفظ من كيد الشيطان عباده الله المخلصين (إلا عبادي ليس لك عليهم سلطان) يقول جلّ وعلا: (قل أعوذ بربّ الفلق من شرّ ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شرّ النفّاثات في العقد ومن شرّ حاسد إذا حسد). فسورة الفلق وسورة الناس وسورة الإخلاص تعوّذ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم سحره يهودي يقال له لبيد بن الأعصم حتى يخيل له انه كان يفعل الشيء ولا يفعله فمكث كذلك ما شاء الله ان يمكث ثم قال: يا عائشة أشعرت ان الله أفتاني فيما استفتيته فيه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال (الذي عند رأسه للذي عند رجله) ما شأن الرجل؟ قال: مطبوب (مسحور) قال: ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم. قال: في ماذا ؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر (الجف بضم الجيم وتشديد الفاء) الغشاء الذي يكون على الطلع ويطلق على الذكر والأنثى) تحت راعوفه في بئر ذي أوران فجاء البئر واستخرجه قال ابن عباس ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليه الماتح واخرجوا الجف فإذا مشاطه رأس أسنان وأسنان من مشط وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالبر فانزل الله تعالى هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد وأمر ان يتعوذ بهما فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد النبي صلى الله عليه وسلم صحة حتى أغلت العقدة الأخيرة فكأنما أنشط من عقال. وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر حاسد وعين والله يشفيك فقالوا: يا رسول الله ألا نقتل الخبيث فقال: (أما أنا فقد شفاني الله واكره ان أثير على الناس شرا). وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرا عليه وامسح عنه بيده رجاء بركتها والقرآن الكريم شفاء لكل ما يمكن ان يعتري المؤمن من علل (وننزل من القرآن ما فيه شفاء) وهذا مجرب ليس بالعزيز على الله الذي هو على كل شيء قدير والذي يقول للشيء كن فيكون فالقرآن برد وسلام وسكينة وطمأنينة وراحة للنفس إذا ما قرأه المؤمن بيقين وصدق وإخلاص وإذا ما قرئ للمؤمن ممن هو على حظ من التقوى والإيمان. وليس معنى ذلك ان التداوي بالقرآن بديل عن الأخذ بالأسباب التي ورد الأمر بها في الأحاديث الصحيحة فقد قال عليه الصلاة والسلام (ان الله خلق الداء وخلق الدواء ألا فتداووا يا عباد الله). والكل يسلم اليوم ان جزء كبيرا من المرض نفسي باطني ومعالجته بالقرآن قراءة وتدبرا وتشفعا به إلى الله القائل (وإذا مرضت فهو يشفين) مما دعا الله إليه في كتابه العزيز وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم واتاه فعليا كما سبق ذكره آنفا. وسورة الفلق وكذلك سورة الناس ومعهما سورة الإخلاص من سور الشفاء وسور الرقية الشرعية التي يتحقق بها بإذن الله المطلوب والمرغوب فالاستعاذة هي استجارة واستنصار واحتماء بالله من كيد الكائدين ومكر الماكرين ومن كل شر ظاهر وباطن. وما لا يراه المؤمن مما يحيط به عظيم وخطير لولا ألطاف الله وعنايته ورعايته وحفظه. والمسلم لا يملك إلا ان يتحصّن بربه ويحتمي به لا يفتر لسانه عن الذكر بكل أنواعه ومعانيه ومضامينه لسان حال المؤمن يردّد (اللهم إحفظنا من شر ما في الغيب) وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من شر ما يحيط بنا (لولا الحفظة لتخطّفتكم المردة). وسورة الفلق هي إحدى ثلاثة سور مباركة قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل: (قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفيك كل شيء) وقال: لم يتعوذ الناس بمثلهن أو لا يتعوذ الناس بمثلهن. والفلق: قيل سجن في جهنم وبيت في النار واسم من أسماء جهنم وشجرة في النار وجب في النار وقيل الفلق الجبال والصخور تنفلق بالمياه. فكل ما انفلق عن شيء فهو فلق ومن ذلك قوله جلّ من قائل (فالق الحب والنوى) وقوله (فالق الإصباح) والفلق الصبح بعينه. (قل أعوذ بربّ الفلق) انه تحصن واحتماء واستنصار بالرب جلّ وعلا وهو القادر على كل شيء ومنها الفلق من كل شرّ (من شرّ ما خلق) على الإطلاق والعموم والتعبير بما (من شرّ ما خلق) لكي تشمل الاستعاذة من إبليس وذريته وجهنم ومن شر كل ذي شرّ. (ومن شرّ غاسق إذا وقب) قيل هو الليل والغسق أول الظلام في الليل ووقب بمعنى اظلم. والاستعاذة من شرّ غاسق إذا وقب وهو مرتبط بالليل وهو الوقت الذي تنطلق فيه السوام والهوام وأهل الشر والفساد والإضرار وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحدة وبالخصوص في الليل إذ لو علم الناس ما في الليل من شرور ما بات الواحد بمفرده ولا خرج بمفرده في الليل. وبإذن الله فان المؤمن الذاكر غير الغافل المستعيذ بربه المتحصن بقدرة الله لا يناله مكروه ومن أفضل ما يتحصن به المؤمن ما ورد الأمر به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السالف الذكر. (ومن شرّ النفاثات في العقد)، وهنّ النساء اللاتي تنفثن في العقد للسحر. والسحر واقع من قديم العصور وله ضحايا من الرجال والنساء والصغار والكبار وقد احترف السحر الأشرار من النساء والرجال أفسدوا به عقول الناس واذهبوا عافيتهم وسلامتهم وطمأنينتهم وفرّقوا بالسحر بين الزوج وزوجة والأخ وأخيه، وليست للسحر ماهية مادية ملموسة ولكن أعراضه النفسية محطمة ومدمرة ولأجل ذلك فهو من أكبر الذنوب باعتبار ما يترتب عنه من شر وضرر وفساد. وقد ازدهر السحر في عديد الأمصار والبلدان وكان من الأسباب التي اعتمد عليها لإنكار نبوة الأنبياء كما وقع لسيّدنا موسى مع فرعون الذي حشر له السحرة ولكنّ نبوة موسى أبطلت سحر السحرة وتلقّفت عصا موسى ما خيل للناس أنّها حيّات تسعى. وكما سبق ذكره فقد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانزل الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم المعوذتين فكانتا شفاء له من السحر. (ومن شرّ حاسد إذا حسد): ثالثة الشرور التي استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونستعيذ منها هي حسد الحاسد والحسد من أكبر المعاصي وهي أول ما عصى به الله تبارك وتعالى عندما لم يسجد إبليس لآدم متعللا بان آدم مخلوق من طين وإبليس مخلوق من نار. وكذلك حسد قابيل هابيل. ومن حق المؤمن أن يتمنى ان يكون له ما لغيره من النعم والصحة والمال والبنين وغير ذلك، من حقه ان يتمنى على الله ان يعطيه مثل ذلك الذي رآه عند غيره وحتى أكثر فالله على كل شيء قدير ولكن ليس من حق المؤمن ولا يجوز له ان يتمنى زوال نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده ويحرم عليه ان يفعل مهما كان هذا الفعل وأسلوبه والطريق إليه من أجل ان تزول تلك النعمة التي انعم الله بها على من شاء من عباده فالله حكيم عادل لا يسأل عما يفعل والحاسد معترض لحكم الله وقضائه غير معترف بعدل الله وحكمته ولذلك فانه يبوء بغضب الله ولا يصل إلى مبتغاه. ورد في الحديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن يغبط والمنافق يحسد) وفي الصحيحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا حسد إلا في اثنتين (يعني لا غبطة بمعنى تمني المثل أو أكثر) رجلا آتاه مالا فسلكه على هلكته في سبيل الله ورجلا آتاه الله علما فهو يعلمه للناس). والمنافسة في الخير هي التي جعلت فقراء الصحابة يشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم قدرتهم على التصدق مثل إخوانهم الأغنياء. (ذهب أهل الدثور بالأجور). وقد قيّد الله في الآية الاستعاذة من شرّ الحاسد عندما يحسد. أي عندما يدخل حسده حيّز التنفيذ قولا وفعلا وقد قال عليه الصلاة والسلام (إذا حسدت فلا تبغ...) وهذا والحمد لله من باب التكليف بما في الطاقة والاستطاعة لا بمجرد المشاعر وان كان من الأفضل والأولى ان تكون طيبة فالمشاعر لا يحاسب عليها الحاسد وإنما يحاسب ويؤاخذ ويستعاذ من شره (إذا حسد). والحاسد هو المتضرر بداية ونهاية. قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربّه من أوجه: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره وانه خذل أولياء الله وأنه أعان عدوه إبليس وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم: آكل الحرام ومكثر الغيبة ومن كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين) وقد قيل للمحسود نصحا: اصبر على كيد الحسود فان صبرك قاتله النار تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.