تفاعل إلى حد التمازج بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم
إنما تعرف قيمة الرجال بمقدار ما يرى من اثر لهم في سلوك وسيرة ومواقف أقرب الناس إليهم وألصقهم بهم فهؤلاء هم الانعكاس لكمالات أولئك الرجال وجمالاتهم وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي جاء إلى هذا العالم بالدين الخاتم والرسالة الكاملة والمنهج القويم الذي رضيه الله لعباده ليكون آخر ما ينزل إليهم دين الإسلام الذي هو الدين عند الله (إن الدين عند الله الإسلام) وهو الدين الذي لن يرضى الله من عباده بسواه (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) كان صلى الله عليه وسلم في هذا الدين القدوة والأسوة والرحمة المهداة (ولكم في رسول الله أسوة حسنة) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وكان عليه الصلاة الموعظة المجسمة كان قرآنا يمشي على الأرض وكان خلقه القرآن وهو الذي في أتباعه النجاة والفوز والإحراز على مرضاة الله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) كان عليه الصلاة والسلام على خلق كريم (وانك لعلى خلق عظيم) أدبه ربه فأحسن تأديبه. جاء عليه الصلاة ليتمم مكارم الأخلاق فأتمها وأرساها وملك عليه الصلاة والسلام قلوب من حوله وشهد فيه وله القاصي والداني وحتى العدو لم يستطع أن ينكر ما جبل عليه من خلق كريم وسلوك مستقيم كانوا قبل البعثة يلقبونه بالصادق الأمين ويدعونه عليه الصلاة والسلام ليكون حكما بينهم عندما يختصمون ويختلفون ويرضون بما يحكم به. وعندما أوقف هرقل ملك الروم أبا سفيان وكان ذلك قبل أن يسلم سأل هرقل أسئلة تمنى أبو سفيان لو انه استطاع أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصفه بعكس ما عرف به فلم يستطع، ولم تزد أجوبة أبي سفيان هرقل ملك الروم إلا قناعة بأنه النبي الذي بشرت به توراة موسى وإنجيل عيسى وتمنى هرقل لو انه يستطيع أن يخلص إليه ليتشرف بغسل قدميه إكبارا وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطر ويطيب ويوضع في مكان رفيع ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه بكتابه دعا الله له بحفظ ملكه ما بقي عندهم كتابه عليه الصلاة والسلام وذلك ولا شك من رحمة الله تبارك وتعالى للناس أجمعين برسول الله صلى الله عليه وسلم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). هذا هو نبينا وحبيبنا وسيدنا وقرة أعيننا، هذا هو من خصنا الله به وجعله منا وجعلنا منه (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). هذا هو من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل ومن الشرك والكفر إلى الإيمان والإسلام فما أسعدنا به وما أعظمها من منة خصنا الله بها فكيف لا نحبه؟! وكيف لا نتعلق به؟! وكيف لا يسكن من قلوبنا السويداء صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا؟! فهو نبينا في الدنيا وهو شفيعنا في الآخرة انه من قال لربه (والله لن أرضى وواحد من أمتي يعذب في نار جهنم) وهو من وعده ربه بأنه سيرضيه (ولسوف يعطيك ربك فترضى). حب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزاد في الطريق إلى الله إن حبنا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو صميم الدين وعينه وهذا الحب هو الذخر الذي نعده لغد يوم نقف بين يدي الله للحساب في يوم تشيب الولدان من شدة هوله وطوله، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إن حالنا إن شاء الله هي ما عبر عنه ذلك الصحابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما أعددت لها؟) فقال الصحابي السائل: (لم اعدد لها كثير عمل ولكني أعددت لها حب الله ورسوله) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (ابشر فأنت مع من أحببت) أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة. ذلك هو جزاء المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب الدافع إلى الاقتداء به وإتباعه والعمل بما جاء به من عند الله، ذلك الحب الصادق الذي يجعل هوى المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبعا لما جاء به عليه الصلاة والسلام من عند الله (لا يكون أحدكم مؤمنا حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) وللإيمان حلاوة لا تساويها أية حلاوة أخرى (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). إن حب المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي منه أن يسلم تسليما كاملا صادقا لما جاء به عليه الصلاة والسلام من عند الله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ويسلموا تسليما). ليس للمسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اختيار وليس له رأي اللهم إلا إذا تعلق الأمر بشأن من شؤون الحياة الدنيا ولذلك فان الصحابة رضي الله عنهم كانوا قبل أن يبدوا آراءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه هل قال ما قال أو وقف ذلك الموقف عن وحي أم عن رأي فان قال لهم عن وحي قالوا سمعنا واطعنا لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وإن قال لهم بل هو الرأي والاجتهاد هنالك وبأدب رفيع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدون ما يرون، ذلك ما وقع في بدر وذلك ما وقع في تأبير النخل حين سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولته الشهيرة (انتم اعلم بأمور دنياكم) ولم تزدهم هذه الكلمة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعلقا وإكبارا فهو سيد المتواضعين وهو سيد الوقافين عند حدود الله وكيف لا يكون كذلك هو من بلغ لهم قول ربه (وفوق كل ذي علم عليم) وقوله جل من قائل (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وقوله سبحانه وتعالى (وقل رب زدني علما) بل انه عليه الصلاة والسلام من نبههم إلى إمكانية أن يتأثر بما يسمع فيأتي حكمه على غير المراد لقد حملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مسؤولياتهم وخاطب فيهم ضمائرهم اليقظة المؤمنة المراقبة لله السميع العليم البصير الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يقول عليه الصلاة والسلام (لعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاحكم له على نحو ما اسمع منه فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما اقتطع له به قطعة من نار) صلى الله عليه وسلم فقد كان كمالا وجمالا وكان حجة بالغة لا يملك من يراه ويسمع كلامه النابع من صميم قلبه والقريب العهد من الله إلا أن يزداد به تعلقا وحبا . تطابق بين الظاهر والباطن ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخفيه من النقائص والهنات لقد تطابق فيه الظاهر مع الباطن والسر مع العلن والجد مع المزح فقد كان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا حقا يروح على النفس ويلاطف أهله وأصحابه ويجامل الصغار والكبار ترفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ما يمكن أن ينزل به إلى مستوى الضعف البشري فكان لنفسه بالمرصاد. إن هذا السمت الحسن وهذا الخلق العظيم في كل جوانب التصرف قولا وفعلا كان فيه عليه الصلاة والسلام القمة التي لا يمكن أن يطاولها احد مهما حاول فهو مع أهله كأحدهم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله) كان عليه الصلاة والسلام مثالا للتواضع يتناول حاجته ويقول (صاحب الحاجة أولى بحاجته) وكان يشارك أصحابه في العمل لا يتأخر عنهم ويقول لهم لست في غنى عن الأجر والثواب ويهون عليه الصلاة والسلام على ذلك الذي ارتعدت فرائصه لأنه وطئ ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له (هون عليك إن أنا إلا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) وجد فيه أصحابه جميعا الملاذ والصدر الحنون دعا أصحابه إلى اهراق دلو من الماء على بول احد الأعراب الذي قضى حاجته في ركن من المسجد وقد تداعى عليه الصحابة من كل جانب ليضربوه أو ينكلوا به فما كان من هذا الأعرابي إلا أن قال (اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيقت واسعا يا أخ العرب (أي رحمة الله)". رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كان عليه الصلاة والسلام بين أصحابه كأحدهم لا يقبض يده إليه إلا بعد أن يجذب الطرف الآخر يده، يوزع نظراته بين أصحابه حتى يخيل لكل واحد ممن في مجلسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه بالنظر، يجبر خواطر الجميع ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا، كان قريبا من الأيتام والأرامل والشيوخ، كانوا لا يشعرون انه يوجد اقرب لهم منه، أحبهم عليه الصلاة والسلام فبادلوه حبا بحب لا يمكن وصف مداه، لقد كانوا رهن إشارته بل كانوا رضي الله عنهم يتسابقون على خدمته ويتنافسون في تطبيق أوامره، أوكلوا إليه كل أمورهم واعتبروه هو صاحب الأمر في كل شؤونهم وما تملك أيديهم، وضعوا ما جمعوا من خيرات الدنيا بين يديه عليه الصلاة والسلام واعتبروا أحبها إليهم ما شرفهم بأخذه منهم، ذلك كان موقف أبي بكر الصديق، وكان ذلك موقف عثمان ابن عفان، وكان ذلك موقف عبد الرحمان بن عوف، وكان ذلك موقف الأنصار رضي الله عنهم فقد بذلوا الغالي والنفيس تقربا إلى الله جعلوا كل ذلك تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا (إن منا تأخذه منا أحب إلينا مما تتركه لنا) رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل الجنة مستقرهم ومأواهم. إجماع على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا التعلق الشديد برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الحب الذي حير العقول لم يكن نتيجة مال بذله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله ألف) انه النور الذي وهبه الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم والكمال والجمال والرحمة المتكاملة الجوانب الجامعة الشاملة هي التي جعلت ممن كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأهل والأقارب وذوي الأرحام ومن الخدم والمعاونين الملتصقين به شديد الالتصاق في كل الأحوال وفي كل الظروف وجعلت من الأباعد من المسلمين ومن غير المسلمين جعلتهم كلهم وبدون استثناء يجمعون على إكباره والإعجاب به، فقد بهر برسول الله صلى الله عليه وسلم القاصي والداني والقريب والبعيد بل بهر به العدو اللدود، بهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكريم أخلاقه وجميل صفاته وعظمة مواقفه وكمال رجولته وشدة رحمته صلى الله عليه وسلم، قال على لسانهم احدهم “والله لا أتمنى أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة” ولا يتسع المجال لإيراد عينات للتجسيم الفعلي العملي لحب أصحاب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام له، تجلى ذلك في تنافسهم إلى حد التدافع على بقية ماء وضوئه وعلى شعراته عندما يحلق مما ورد في كتب السيرة والشمائل التي لم تترك شاردة ولا واردة إلا أتت عليها وصورت بالكلمة البليغة كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يترسمون خطاه ويتلقفون كلماته ويبادرون إلى أوامره فيأتونها بكل طواعية كما ينتهون سراعا عن كل ما ينهاهم عنه ومما لا يحبه لهم فسيرته العطرة عليه الصلاة والسلام مليئة بالتفاعل الصادق والتمازج الذي لا يمكن أن نعثر له على نظير في التعامل البشري. لقد صاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي الذي جاء به من عند الله (وهو هدي عملي فعلي بالقدوة والأسوة) من كانوا حوله من الرجال وهم أصحابه صياغة جديدة كانوا بها نماذج لا يمكن أن يدرك درجتها أي كان ممن جاء يعدهم. إنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه (محمد رسول الله والذين معه) لقد كانوا نماذج فريدة في تاريخ الإنسانية الطويل ينسي كل واحد منهم الآخر. إنهم رضي الله عنهم الحجة والبرهان والدليل على عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم رضي الله عنهم يمثلون قمة النجاح المحمدي. إنهم رضي الله عنهم المنارات والنجوم في سماء الإسلام. وهم رضي الله عنهم البرهان على عظمة الدين الذي جاء به من عند الله سيدنا محمد عليه السلام. فلا غرابة أن يحفظ التاريخ ذكرهم. ولا غرابة أن يبقى لهم على مر الأزمان هذا الإشعاع والحضور في حياة المسلمين. فعظمتهم هي من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو عليه الصلاة والسلام الإسلام العملي الفعلي. وهو عليه الصلاة والسلام الرحمة الإلهية بكل الإنسانية.