الطريقة التيجانية نموذج للتواصل الروحي المغاربي والإفريقي
تنادي إلى مدينة فاس المغربية أتباع الطريقة التيجانية وقد جاؤوا من أربعين دولة في إفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكيتين وكانوا حوالي الألف وأربعمائة بين شيوخ ومقدمين ومريدين وأغلب هؤلاء من القارة الإفريقية وبالخصوص بلدان جنوب الصحراء التي تلازم فيها انتشار الإسلام مع انتشار الطريقة التيجانية وذلك عن طريق التجار التيجانية وعن طريق أتباع هذه الطريقة الصوفية (ويبلغ عدد التيجانية في نيجيريا حوالي ثلاثين مليونا فضلا عن بقية البلدان الإفريقية) لقد انطلق المد التيجاني عبر إفريقيا من مدينة فاس المغربية العاصمة العلمية (حيث توجد جامعة القرويين العريقة) فتكاد لا تخلو قرية ولا مدينة من قرى ومدن إفريقيا الغربية من زاوية بل زوايا تيجانية يجتمع فيها الأحباب والمريدون على طاعة الله من صلوات وأذكار وتسابيح ودعوات يلتزمون بها ويلازمون عليها بدقة وانضباط وأدب رفيع يجعل من دعوتهم دعوة حال لا دعوة مقال الأمر الذي انعكس إيجابا على مسيرة الإسلام في إفريقيا فانتشر فيها انتشارا سريعا تميز بالسماحة والرحمة والرفق. * وكتصديق لهذا الانتشار الواسع والتلقائي للإسلام والتيجانية متلازمين يقول احد أحفاد الشيخ سيدي احمد التيجاني (إنني عندما انطلق في زيارة الأحباب في البلدان الإفريقية اعرف بداية الزيارة ولكنني لا اعرف متى تنتهي لأنه ما من قرية أو مدينة اقترب منها ويتناهى خبر الزيارة إلى أسماع الأحباب فيها إلا وتحرص على الاستضافة وتتشرف بذلك غاية التشرف) وهذا ليس بالغريب في حق من مصدر التعلق بهم والحب لهم روحي رباني. * والحضور التيجاني في إفريقيا الغربية بالخصوص (موريتانيا السنغال مالي غينيا النيجر نيجيريا ساحل العاج، الكامرون بنين التوغو بوركينا وغيرها) حضور كبير في كل الأوساط وبين الذكور والإناث وبين متوسطي الحال والفقراء والأغنياء وبين الساسة (من هم في الحكم ومن هم في المعارضة) إنهم يختلفون في أمور كثيرة ولكنهم يتفقون في الولاء للطريقة والتعلق بالشيخ سيدي احمد التيجاني وليس الأمر كذلك بالأمس فقط قبل عقود من السنين بل الأمر على ما هو عليه بالأمس واليوم، قبل استقلال بلدان إفريقيا وبعد استقلالها، انه تلازم صمد به وأولئك الأفارقة تحت نير الاستعمار وتلازم حافظ عليه الأفارقة بعد الاستقلال وبناء الدول الحديثة رغم أن العروض حتى داخل دائرة الإسلام كثيرة والمغريات كبيرة لترك الطريقة والتخلص منها حتى تحت عنوان العودة إلى الأصول الصافية وترك كل ما هو طارئ، انه تمسك عجيب وجد فيه الأفارقة توازنهم وراحتهم وانسجامهم مع ذواتهم وعاداتهم وهو واقع ينبغي مراعاته واعتباره في التعامل معهم في إطار مكونات الأمة الإسلامية الثرية والمتنوعة. وقد نبغ وتميز من بين أتباع الطريقة التيجانية شيوخ كبار جمعوا بين العلم بالشريعة وسلوك الطريقة نذكر منهم آل نياس وعميدهم الشيخ إبراهيم نياس رحمه الله دفين مدينة (كاولاخ) السنغالية والذي كان في علمه الغزير وفي حركته الإصلاحية وفيما تركه من آثار علمية فضلا عن تلاميذه الذين يعدون بالمئات إن لم نقل بالآلاف من كبار العلماء وكذلك آل النحوي بموريتانيا وآل الألوري بنيجيريا وغيرهم ممن ضمت أسماءهم وعرفت بهم وبعلمهم وفضلهم وتقواهم وورعهم وجهادهم المستميت في مقاومة المستعمر وجمع كلمة المسلمين في تلك الربوع دواوين التراجم وغرر القصائد التي نظمت في تمجيدهم ومدحهم ويتغنى بها المريدون في احتفالات مليونية تقام سنويا بمناسبة ذكرى مولد سيد البرية عليه الصلاة والسلام ولقد لفتت هذه الظاهرة (ظاهرة المد الصوفي والتيجاني بالخصوص في البلدان الإفريقية) أنظار الباحثين والدارسين حتى من غير المسلمين الذين اعدوا في ذلك أطروحات ودراسات عميقة. * واليوم ونحن في بداية قرن جديد وقد تنبأ البعض قبل حلوله بأنه قرن ستغرب فيه شمس الديانات والروحانيات!! ها نحن نشهد يقظة روحية وكأن المجتمعات وقد أعياها اللهث وراء المادة والتنافس عليها إلى درجة تكاد تذهب معه العقول هاهي الروحانية تقول لها أنا البلسم وأنا الشفاء وأنا الراحة والسكينة وأنا الطمأنينة أنا السعادة العاجلة فهلموا جميعا إلي. * والصوفية بمختلف طرقها وجماعاتها تقول: الروحانية هي بضاعتي التي أروجها بينما يروج غيري مالا يزيد الناس إلا تصارعا وتنازعا وتحاسدا... * الصوفية تقول أنا داعية الحب والتسامح أنا من ينبذ الصراع أنا من يدعو ويجسد التعايش في أوسع معانيه * الصوفية تقول أنا شاغلة الإنسان بعيوبه عن عيوب الناس أنا من يضمن الانتصار في معركة الجهاد الأكبر (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) حديث نبوي. * الصوفية تقول: أنا السالكة بأتباعي السبيل الموصل “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا” * لا غرابة أن يتنادى التيجانية ليجتمعوا بجوار شيخهم سيدي احمد التيجاني بمدينة فاس وبدعوة مغربية سخية وبرعاية ملكية سامية ليصبح هذا اللقاء الصوفي التيجاني موعدا دوريا ينعقد كل سنتين في تكامل روحي تزول معه الحواجز والحدود مع لقاء مماثل انعقد قبل ذلك بمدينة (عين ماضي) بالجنوب الغربي الجزائري مسقط رأس “سيدي احمد التيجاني” (الذي ولد سنة 1737، وأدركته المنية في مدينة فاس المغربية سنة 1815 حيث دفن) * أليس في ذلك إشارة إلى أن التواصل العلمي والروحي بين البلدان المغاربية والإفريقية الضارب في أعماق التاريخ هو واقع معيش ورابط قوي بين قلوب وأرواح أبناء الغرب الإسلامي من ناحية وبينهم وبين أشقائهم من أبناء بلدان الساحل والصحراء في إفريقيا. * فهم جميعا مسلمون سنة أشاعرة مالكية وسالكون. * وتعتز تونس بأنها أنجبت علماء كبارا كانوا أعلاما في الشريعة وأتباعا لهذه الطريقة (التيجانية) إنها اسر علمية عريقة بأكملها. * أليست تونس هي من أنجبت العالم الجليل والشاعر الكبير سيدي إبراهيم الرياحي رحمه الله الذي كان من أقطاب الطريقة التيجانية ومن كبار شيوخ الزيتونة الذين ذاع صيتهم وانتشر علمهم؟ ولا تذكر تونس إلا يذكرون مقرونين بها...انه الإشعاع الذي لا يعرف الحدود، الإشعاع الروحي الذي لا يحده الزمان والمكان.