الصيام وصفة ربانية تعالج الأمراض البدنية والنفسية
ان النوايا التي لا يعلمها إلا الله تبلغ المسلم ما لا يبلغه بعمله فقد قال عليه الصلاة والسلام (يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله) والمولى سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كانت نية عبده المؤمن فيه خالصة لوجهه الكريم، فمن عنده سينادي مناد يوم القيامة (أنا أغني الشركاء اذهب إلى من أشركته بي فليجازيك اليوم) وفي هذا السياق يقول جل من قائل (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة الآية 5. وما نريد ان نخلص إليه وننبّه إليه هو الجانب الإرادي من النية وما يحدثه من اثر كبير على نفس الإنسان المسلم وسلوكياته وفي ذلك تأكيد على ما ورد في الآية الكريمة (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد الآية11، و فيه دحض لعقليات التواكل والسلبية والتردد والضعف، فإرادة الإنسان قوية غلابة فعالة وهي من إرادة الله سبحانه وتعالى. وعندما يريد الإنسان المؤمن ان يبلغ هدفا وغاية فانه بإذن الله تعالى بالغ لما يريد بعون وتسديد من ربه فقد ورد في الأثر (لو تعلقت همة المرأ بما وراء العرش لناله). وهذه الهمة والإرادة تتجلى بوضوح في قدرة المسلم على التحكم في نفسه والتغلب عليها وقيادتها نحو الخير وتجنيبها للمهالك. ان المسلم يخوض داخل ذاته معركة حامية الوطيس بين الخير والشر اعتبرها الإسلام جهادا اكبر حيث قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه العائدين من إحدى الغزوات (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وهو جهاد النفس الأمارة بالسوء. ففي داخل كل واحد منا نفسان: نفس أمّارة (إن النفس لأمّارة بالسوء) الآية يوسف 53، ونفس لوامة معاتبة واقفة في وجه النفس الأولى، والمؤمن وهو يخوض هذه المعركة منته بإذن الله وعونه إلى تغلب النفس اللوامة على النفس الأمارة وفي هذا يقول جل من قائل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) البقرة الآية218. إننا نرى من أنفسنا في شهر رمضان المبارك العجب: نرى من هذه الأنفس تعودا وتكيفا سريعا مع أجواء هذا الشهر. والنظام الخاص الذي يأخذ به المسلم نفسه والمتمثل في الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فحال المسلم مع نفسه قبل دخول هذا الشهر تختلف بصفة كلية إذ يأكل المسلم ويشرب و يأتي في الحلال كل ما تطلبه منه نفسه في أية لحظة من ليل أو نهار وإذا بتلك العادات وذلك النسق في الحياة ينسى بسرعة ويحل محله نسق جديد سرعان ما يتعود عليه الصائم وينسى بصفة كلية ما كان عليه من عادات طيلة احد عشرة شهرا وذلك سر النفس البشرية جعله فيها ربها وخالقها الذي سواها وقد توصل إلى هذه الحقيقة العلمية الباحثون والمحللون المختصون في الطب النفسي حيث أعلنوا ان ثلاثة أيام فقط تكفي الصائم للتعود على النسق الجديد الذي يختاره لنفسه وفعلا فبمجرد أن ينوي الواحد صيام شهر رمضان حتى تنسى أنفسنا ما كانت تأتيه بالأمس القريب. ومن آخر ما انتهى إليه الطب الحديث المفعول العجيب والأثر الايجابي للصوم في علاج الأبدان ووقايتها فالنية وهي عملية دماغية عقلية غير ذات صلة ظاهرة بالمادي الملموس المحسوس من الكائن البشري ومع ذلك فقد ثبت طبيا وعلميّا ان نسبة مرتفعة من الحامض البولي يقضي عليها كليا بمجرد العزم النفسي وعقد النية على الصوم فسبحان الله الذي يربط بين هذا وذاك فتتحقق للمسلم الصائم زيادة على الامتثال والطاعة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي يقول : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون) الذرايات الآية 56، فوائد جمة بدنية ونفسية، ولقد تعددت في السنوات الأخيرة في ديار الغرب الذي لا يمكن ان يتهم بتعصب وتزمت للإسلام-المصحات التي تعالج مرضاها بالحمية التي هي أشبه ما تكون بالصيام عند المسلمين وتستمر هذه الحمية لتصل إلى عشرين وخمس وعشرين يوما. فلقد ثبت اليوم طبيا ان المعدة هي بيت الداء وان الحمية وإتباع نظام معين في الأكل والشراب هو الدواء. وكل هذا الذي توصل إليه الطب والعلم والتحليل والتشخيص ينتهي والحمد لله إلى التطابق الكامل مع ما دعا إليه ديننا الإسلامي الحنيف و هدانا إليه نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. وحاشا لله العليم الحكيم الرحيم ان يأمر عباده بما يمكن ان يتسبب لهم في أدنى ضرر. ففي ما أمر الله به عباده و في ما نهاهم عنه درء لكل مفسدة و ضرر و جلب لكل منفعة و فائدة. وعندما يقول عليه الصلاة والسلام (صوموا تصحوا) فهو لا ينطق عن الهوى وهاهي والتجارب وهاهم أهل الذكر والاختصاص ممن هم على غير دين الإسلام تتطابق آراؤهم مع ما جاء به سيد الأنام عليه الصلاة والسلام هاهم يدعون الناس لما يحييهم الحياة السليمة القويمة. ان كل تعاليم الإسلام وهديه تلح على ضرورة إعطاء النفس حقوقها كاملة غير منقوصة ولقد اعتبر الإسلام الحفاظ على الأبدان إحدى الكليات التي بنى عليها تشريعاته وأوامره وعندما تتعارض كلية الحفاظ على الأبدان مع كلية الحفاظ على الأديان تقدم كلية الحفاظ على الأبدان فالقاعدة معروفة (الضرر يزال) و(لا ضرر ولا ضرار) و(الضرورات تبيح المحظورات) وتعذيب النفس والتسبب في هلاكها مما حرمه الإسلام ونهي المسلم عنه (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) البقرة الآية 195. والصيام كتبه الله تبارك وتعالى على الأصحاء المعافين أما المرضى فهم في حل منه إلى أن تعود إليهم صحتهم وعافيتهم يقول جل من قائل (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأحكام المرضى مرضا يرجى شفاؤه والمرضى مرضا مزمنا والشيوخ المسنين وكذلك المرأة الحامل والمرأة المرضع والمسافرين وغير هذه الحالات مقررة مفصلة مبينة في كتب الفقه ويعلمها أهل الذكر الذين علينا ان نسألهم كلما أشكلت علينا حالة من الحالات عملا بقوله جل من قائل (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) الأنبياء الآية 7، وأهل الذكر هم الفقهاء الذين يعودون بدورهم إلى أهل الذكر في كل اختصاص وأهل الذكر في شؤون الأجسام والأبدان هم الأطباء الثقات حتى لو كانوا على غير دين الإسلام. وحرام على المسلم الذي حكم الأطباء عليه بالإفطار نظرا لما يسببه له الصيام من ضرر بصحته حرام على هذا المسلم ان يصوم تعنتا ورفضا للأخذ بالرخصة التي أتاحها له ربه سبحانه وتعالى فقد قال عليه الصلاة و السلام (ان الله يحب ان تؤتي رخصه كما يحب ان تؤتي عزائمه) فربنا سبحانه وتعالى يريد لنا وبنا اليسر ولا يريد بنا ولا لنا العسر والتشديد والتضيق، فالله سبحانه وتعالى لا تزيد في ملكه طاعاتنا كما لا ينقص من ملكه عدم قيامنا بهذه الطاعات. والصوم الذي يؤديه المسلم الصحيح المعافى والذي يراعي فيه آداب الإسلام وهديه محقق للسلامة والصحة وهدي الإسلام في هذا المجال منه قوله عليه الصلاة والسلام (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فان كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للماء وثلث للنفس). ومنه قوله عليه الصلاة والسلام (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا كلنا فلا نشبع). وما يصاحب صوم البعض من إسراف ومبالغة في الأكل والشرب يصل إلى حد التخمة بمجرد ان يحين وقت الإفطار يتنافي مع حكمة الصوم الهادفة إلى تعويد المسلم على الاعتدال (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين) الأعراف الآية 21، والإسراف والمبالغة في الأكل والشرب بقصد تعويض ما فات هو بطنة وتخمة مذهبة للفطنة ومسببة للأمراض وهي ولاشك منعكسة سلبيا على نشاط وحيوية الصائم ومنعكسة أيضا على الحياة الاقتصادية للمجتمع ممّا يشاهد ويرى من تهافت على الشراء و الاقتناء لما هو في غالب الأحيان زائد عن الحاجة و آيل إلى سلال المزابل والإتلاف. ان شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام هو شهر الصبر والبذل والإحسان، انه شهر التآزر والتضامن والشعور الفعلي بمعنى الفقر والحاجة ولأجل ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إلى المؤاساة والإحسان والجود والكرم وأعطى عليه الصلاة والسلام من نفسه المثل فكان أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان المعظم.