الزاوية القادرية بتوزر: معلم قرآني عريق

الزاوية القادرية بتوزر: معلم قرآني عريق


تمكنا من الإطلاع عن كثب على تجربة رائدة في تحفيظ القرآن ببلادنا تقوم بها الزاوية القادرية بتوزر. وهي تجربة فريدة من نوعها. ذلك أن هذه الزاوية التي تأسست سنة 1245 هـ ظلت منذ تأسيسها قبلة لطلاب العلم من الراغبين في حفظ كتاب الله العزيز من مختلف جهات الجمهورية بل ومن القطر الشقيق الجزائر. وكان عدد هؤلاء الطلاب يتجاوز المائة في حياة الشيخ محمد الهادي الشريف مؤسس الزاوية رحمه الله. وقد اعتمدت هذه الزاوية في مشروعها الخيري على جهود شيوخها حيث أنهم خصصوا جزءا من مداخيلهم لنشر القرآن عملا بقوله الصلاة والسلام (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وطمعا في الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى عندما تنقضي الأسباب ولا ينفع الإنسان إلا ما قدمت يداه حيث يقول عليه الصلاة والسلام (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم بثه في صدور الرجال وولد صالح يدعو له). والزاوية القادرية بتوزر تمثل بحق المنارة المشعة على محيطها البعيد والقريب فهي صدقة جارية ومنها بع العلم في صدور الرجال والقائمون عليها اليوم وعلى رأسهم الشيخ الهاشمي الشريف حفظه الله وأعانه ولد صالح يدعو لأولئك الأسلاف المؤسسين للزاوية عليهم رضوان الله. كنا قبل أن نزور هذا المعلم نسمع عنه الكثير بل نرى ونلمس نتائجه حيثما توجهنا في بلادنا شمالا وجنوبا حيث ينتشر خريجو الزاوية في مدن الجمهورية بمساجد وجوامع وكتاتيب جربة وتطاوين وبني خداش والسرس ومقرين وتونس وأريانة. بل إن بعض من حفظ القرآن الكريم في هذه الزاوية العامرة شارك في المسابقات القرآنية الدولية بمكة المكرمة ونال ارفع الجوائز ورفع راس تونس عاليا في تلك المحافل التي اختفى فيها ذكرنا في العقود الأخيرة نتيجة انصرافنا عن دعم ومساعدة مثل هذه المؤسسات الأهلية العريقة التي تلقى فيها وفي أمثالها مبادئ العلوم واللغة وحفظ القرآن الكريم من تولى ويتولى اليوم ارفع المناصب في مختلف الأجهزة والهياكل في التعليم والقضاء والإعلام وحتى الوزارة ولا نريد أن نذكر الأسماء فهم يعرفون ويعترفون ويثنون من الأعماق على الدور الكبير الذي لعبته مثل هذه المؤسسات الأهلية الدينية في الحفاظ على الدين في هذه الديار صافيا نقيا خاليا من الشوائب والانحرافات العقائدية والمذهبية إسلام أهل السنة والجماعة. سمعنا عن الزاوية القادرية قبل أن نزورها الكثير وسمعنا عن استماتة شيوخها في الظروف القاسية من اجل أن تظل تقوم بدورها على أحسن الوجوه في أوقات تعالت فيها أصوات وكتبت مقالات وتحقيقات تهون من شأن القرآن!! وشأن المؤدبين وتلصق بهذا الإطار أشنع التهم في سبيل أن تدفع الأسر والأولياء عن أن يبعثوا بأبنائهم إلى مثل هذه المؤسسات التربوية حتى أظهرتها في مظهر الشبح المخيف. عانت الزاوية القادرية كما عانت مثيلاتها من صنوف السخرية والتهكم والتهجم ما الله به عليم فما وهن القائمون على هذه الزاوية وما استكانوا بل زادهم كل ذلك إصرارا على مواصلة أداء الرسالة والأمانة التي ورثوها عن آبائهم عليهم رحمة الله ورضوانه. * ورأوا في خدمة القرآن الكريم بإخلاص وتجرد وتفان آيات ربهم الكبرى ورأوا بأعينهم مصير من حاول عرقلتهم أو السخرية بهم وبالقرآن الكريم (والله متم نوره ولو كره الكافرون). * تلك هي مسيرة الزاوية القادرية التي أعطت انصع الصور وأجملها عما يمكن أن تقدمه الزاوية للمجتمع من جليل الخدمات إضافة إلى الغرض الأصلي من تأسيسها الذي هو إتاحة المجال للذين يريدون أن يرتعوا في رياض الجنة التي هي مجالس الذكر. * إن الزاوية القادرية بتوزر مؤسسة تربوية قرآنية خيرية يجد فيها الفقير المحتاج المسكن والمأكل والملبس وحتى المنحة ليتفرغ لحفظ القرآن الكريم والتفقه في الدين. وما أحوج بلادنا اليوم إلى مثل هذه المؤسسات في وقت كثر فيه المنقطعون عن التعليم في المراحل الأولى والوسطى ممن لم يبلغوا بعد السن القانوني الذي يخول لهم العمل. وما أكثر من لا يجدون من أسرنا من أين ينفقون على أبنائهم في سبيل مواصلة تعليمهم، وما أكثر من يجوبون الشوارع والساحات في فراغ ممل ويجعلهم يقعون فريسة لشتى أنواع الانحرافات السلوكية والأخلاقية وحتى الإجرام! * إن وجود مثل هذه المؤسسة في بلادنا من شانه أن يخفف العبء على الدولة والمجموعة الوطنية كما أن مثل هذه المؤسسة قادر على تخريج الإطار الأوسط من أئمة خمس ومؤدبين ومؤذنين لعشرات بل مئات بل آلاف المساجد التي تفتتح يوميا هنا وهناك ولا نجد لها الإطار المؤهل!! لقد بلغ الأمر في بلادنا أن سكان بعض المدن والأحياء لا يجدون من يصلي بهم التراويح في رمضان أو حتى الصلوات الخمس بل بلغ الأمر في بعض الجهات انه يموت الميت فيدفن بدون أن يغسل أو يصلى عليه!! فضلا على أن حافظ القرآن المتفقه في الدين قادر على أن يؤدي للمجموعة الوطنية عديد الخدمات الاجتماعية والثقافية بأمانة وإخلاص ومراقبة لله سبحانه وتعالى. استقبلنا من طرف الشيخ محمد الهاشمي الشريف بترحاب كبير حيث اصطف في ساحة الزاوية-وهي لا تختلف عن ساحات أحسن المعاهد الحكومية- من طرف طلاب الزاوية الذين تجاوز عددهم الستين وكانوا يرددون وراء مؤدبهم الشيخ علي الغريبي آيات من الذكر الحكيم تلاوة مؤداة على أحسن الوجوه شعرنا بانشراح كبير وغمرنا سرور لا يوصف وحمدنا الله أن رأينا في بلادنا تونس العزيزة ما ظننا انه قد انقطع وانتهى ومما أصبح تاريخا. طاف بنا الشيخ الهاشمي الشريف في سكن الطلبة الذي بني بمساعدة أهل البر والإحسان ومجلس الولاية الذي تعهد بقسط من التجهيزات، ثم زرنا القسم الكبير الذي اعد للتحفيظ والذي يتوخى فيه المؤدب الشيخ علي الغريبي الطريقتين التقليدية المتمثلة في اللوح الذي يكتب ويمحى، والعصرية حيث عبر الشيخ الهاشمي الشريف عن استعداده لوضع المناضد والسبورة وتهيئة المكان المناسب لذلك. وفي الزاوية القادرية مسجد جامع تقام فيه صلوات الخمس والجمعة يرتاده سكان الحي وزوار الزاوية وقصادها من مختلف جهات الجمهورية وهو مسجد جامع يقوم عليه الإطار أحسن قيام لا مجال فيه لأي نوع من أنواع التسيب. وسألنا طلاب الزاوية عن ظروف إقامتهم فعبروا بإجماع لا لبس فيه عن حسن معاملة شيخهم لهم واعتبارهم أبناءه فهو يطعمهم من حيث يطعم أهله ولا ينام حتى يتفقدهم، يفكر فيهم طيلة يومه ويشعر بالسعادة العظمى وهو يراهم محلقين حول مؤدبهم ومعلمهم يحفظون أو يكررون القرآن أو يتفقهون في الدين. وطلاب الزاوية القادرية يتجاوز عددهم الستين من مدنين وقفصة وتوزر وتطاوين وقبلي والكاف وقابس ومن ولاية الوادي بالجنوب الجزائري. الكل يقيمون ويأكلون وينفق عليهم من طرف شيخ الزاوية، وهم من مختلف الأعمار من الطفل إلى الشاب الذي تجاوز العشرين، جاؤوا لحفظ القرآن والعودة من الزاوية إلى مدنهم وقراهم وقد حققوا هذه الأمنية العزيزة عليهم وعلى أسرهم وعلى المجموعة الوطنية معهم. شعرنا ونحن نزور هذا المعلم الديني الخالد بأهمية الدور الذي قوم به أناس مخلصون في هذه البلاد، يريدون لتونس أن تظل على دين الإسلام وعقيدة أهل السنة السمحة التي لا تشوبها شائبة.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.