التعرض لنفحات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في شهري الربيعين
شهر ربيع الثاني هو امتداد للشهر الذي قبله شهر ربيع الأول أو ربيع الأنور كما يحلو للكثير أن يسموه وذلك لأنه الشهر الذي شهد مولد سيد الكائنات عليه الصلاة والسلام الذي فتح الله به ما كان مغلقا من أبواب الرحمات وختم ما سبق من الرسالات ونصر الله به الحق بالحق، وهدى به الله الناس إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين من أذهب الله به عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا سيدنا محمد بن عبد الله الذي بدأ الله بنفسه وثنى بملائكته في الصلاة عليه وأمر بذلك عباده المسلمين فقال جل من قائل ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ). شهر ربيع الثاني، انه شهر أنوار وأسرار وفيوضات وتجليات، يواصل فيه الأبرار من عباد الله المتقين التعرض لنفحات المصطفى الحبيب المحبوب وذلك بشهود المجالس التي يتواصل انعقادها احتفالا برسول الله صلى الله عليه وسلم من مطلع ربيع الأول والى أواخر ربيع الثاني، في كل أرجاء المعمورة في ديار الإسلام: في المشرق والمغرب وحتى خارجها هناك بعيدا جدا في أوروبا وإفريقيا والأمريكتين حيث يوجد مسلمون وهم والحمد لله اليوم لا تكاد تخلو منهم مدينة أو حتى قرية مهما كانت نائية عن مهبط الوحي ودار الإسلام. وما أردت أن يشترك معي فيه القارئ الكريم هي مناسبات سعدت فيها بحضور مجالس انعقدت للاحتفاء والاحتفال بمولد سيد الكائنات عليه الصلاة والسلام أعدها بحق من اسعد وأجمل المجالس، بل انني اسلم أن قلمي عاجز عن وصفها للقارئ، إنها بحق من رياض الجنة التي تغشاها الملائكة بالرحمة والسكينة فيشعر الحاضرون فيها بطمأنينة ويتذوقون بحق حلاوة الإيمان وللإيمان حلاوة لا تساويها ولا تصل إلى درجتها كل أصناف وألوان الحلاوات. كانت البداية بختم لكتاب (الشفا) للقاضي عياض أقيم بالمغارة الشاذلية وهي سنة حميدة درج على إحيائها أهل تونس في جامعهم الأعظم ( الزيتونة ) وفي جوامع أخرى منها جامع ( الحجامين ) بتونس العاصمة على امتداد السنوات التي تولى فيها إمامة هذا الجامع فضيلة الشيخ محمد الزغواني رحمه الله وأجزل مثوبته فقد ختم رحمه الله كتاب (الشفا) أكثر من أربعين مرة إقراء وشرحا وبيانا لما في هذا السفر (الشفا) من علوم ومعارف هي حقوق للمصطفى صلى الله عليه وسلم. وسيرا على هذه السنة الحميدة درجت بعض الجوامع والزوايا على إقامة أختام (الشفا) مرة أو مرتين في السنة مثلما هو الحال في جامع مقرين العليا بالأحواز الجنوبية للعاصمة. بعد أن حضرت هذين الختمين وأثناء مشاركتي في مؤتمر في مدينة القاهرة بمصر تهيأ لي أن أحضر سهرات مولدية تحرص على إقامتها في شهر ربيع الأول ليس فقط الهيئات الدينية بل تتنافس في إحيائها الطرق الصوفية والقائمون على أضرحة ومراقد آل البيت عليهم رضوان الله (مثل مسجد سينا الحسين وسيدتنا زينب وسيدتنا سكينة وسيدتنا نفيسة سيدي ابن عطاء) وغيرهم من كبار العلماء والصلحاء الذين يجد الزائر لهم بأدب وعلم بجوارهم وعندهم روحانية وسكينة وطمأنينة نفسية وينطلق في سبحات روحية وإشراقات ربانية لا شك أن وراءها واصلها ومنطلقها روحانية سيد الكائنات عليه الصلة والسلام الذي ترتفع أصوات الذاكرين والمنشدين والمادحين بأروع صيغ الصلوات عليه تقربا بحبه الصادق إلى الله سامع الأصوات ومجيب الدعوات. ولا يزال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام النبع الذي ينهل من معينه العذب فحول الشعراء ليس فقط بلغة الضاد ولكن باللغات الشقيقة لها كالفارسية والأردية والتركية والسواحلية وغيرها من لغات الشعوب الإسلامية، في المديح المحمدي بسند لم ينقطع من حسان وابن رواحة إلى البوصيري والشقراطسي وصولا إلى شوقي وحافظ وخزندار. أشعار وأناشيد تهز وجدان السامعين فيتعالى أنينهم وتخشع قلوبهم وتذرف عيونهم بالدمع المنهمر ذوبانا في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولم يتأخر النثر البليغ عن سرد قصة المولد المحمدي وتعداد الشمائل النبوية والخصائص الأحمدية التي خص بها الله خير البرية عليه من الله أفضل صلاة وأزكى تحية. وتواصل الحبور والسرور بسيد الكائنات وإمام المرسلين عليه الصلاة والسلام في تونس بما لا يزال ينتظم كل عام صبيحة يوم المولد النبوي بالجامع الأعظم الزيتونة في قراءة لغرر القصائد البوصيرية في مدح خير البرية عليه الصلاة والسلام والتي يحرص على حضورها والتبرك بها والتعرض لفيوضاتها الروحية أهل تونس بمختلف فئاتهم مما فيه ابلغ برهان على تعلق أهل هذه الديار بالحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. وهو تعلق يحرصون على إبدائه والتعبير عنه أينما كانوا بكل مظاهر الفرحة والسرور. ففي مدن فرنسا وألمانيا وهولاندا والنمسا وايطاليا وبلجيكا في عاصمتها بروكسال وما جاورها عاشت الجالية التونسية وشقيقاتها المغاربية والعربية والإفريقية هذه الأجواء الاحتفالية بذكرى مولد خير البرية وتهيأ لي في إطار الإحاطة بالجالية في بلجيكا أن أشارك في هذه الأجواء الروحية الاحتفالية الصادقة والتلقائية. وعلى هامش مشاركتي في ندوة انعقدت في مدينة فاس المغربية حول مذهب الإمام مالك من الموطأ إلى المدونة وبعد زيارة ضريح المولى إدريس الأصغر رضي الله عنه وصلاة العشاء وعلى غير ترتيب وجدت نفسي في رحاب زاوية سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه في احتفال بهيج جاءه الأحباب من كل الأصقاع بيوم السابع لمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ليلة مليئة بالإشراقات والتجليات الروحية معطرة بأروع وأجمل الصلوات على الذات المحمدية التي فتح الله بها أبواب الخير على مصراعيها لتعم كل الكائنات وتعالت أصوات المنشدين الذين جاؤوا من إفريقيا من مختلف بلدانها التي لم تعرف الإسلام إلا بواسطة الطرق الصوفية ومنها التيجانية والتي نشر أتباعها من التجار والرحالة وطلبة العلم وشيوخ القبائل الإسلام في مجاهل إفريقيا وفي أعماق أعماقها لذلك تراهم يشدون الرحال لتوثيق الصلة بمن كان سببا بعد الله في هدايتهم ويشاركهم في الحضور إلى فاس حيث زاوية سيدي احمد التيجاني وحيث أحفاده وأحفاد أحبابه وأصحابه. تيجانيون يأتون من أوروبا والأمريكيتين وآسيا: من اندونيسيا التي يتجاوز عدد التيجانية فيها العشرين مليون نسمة... كانت ليلة مشرقة وكانت بحق احتفالية تلقائية إشراقية ربانية لم نسمع ولم نشهد فيها ما ينكر من القول أو الفعل. وتواصل مدد الاحتفال بالليالي المولدية وكان ذلك بمرسيليا في فرنسا في المهرجان الأول للإنشاد الروحي الذي انطلق متزامنا مع بداية بث إذاعة ( فرنسا المغرب ) لصاحبها السيد طارق مامي وذلك بتنسيق ومتابعة من الحاج مسعود علوشة وكان ذلك في قاعة أفراح ليفسح المجال للحضور لكل الفئات والأجيال وحتى لمن يريد ويرغب من غير المسلمين من الفرنسيين -وأعداد هؤلاء في ازدياد- إذ يجدون في ما يستمعون إليه من ترتيل لآيات الكتاب العزيز وسرد لسيرة وشمائل المصطفى عليه الصلاة والسلام وكذلك الإنشاد والأمداح النبوية سكينة وراحة وطمأنينة هم في أمس الحاجة إليها. وقد شاركت في هذا المهرجان الروحي الذي امتد لأربع ساعات (من الرابعة إلى الثامنة مساء). فرقة المنشد التونسي احمد جلمام الذي تعالت التكبيرات والزغاريد إعجابا وتأثرا بصوته الشجي الذي هز الحضور هزا قويا، وكذلك وفي مستوى رفيع متميز كانت مشاركة فرقة طيبة وهي فرقة شاذلية فرنسية يقودها باقتدار الشيخ الفرنسي المسلم سعيد بيري بمساعدة ابنيه وبقية مريديه. كما شاركت في مهرجان الإنشاد الروحي فرقة المدنية (فرع باريس) بقيادة الأستاذ نجم الدين خلف الله وكانت رائعة وتخللت ذلك كلمات من وحي الذكرى ألقاها الأساتذة. وقد نالت هذه الاحتفالية استحسان كل الحاضرين التونسيين داود قريل ومفتاح بن مسعود ومحمد صلاح الدين المستاوي وكذلك أشقائهم من الجزائر والمغرب ومن مسلمي فرنسا. وإعجابا بما دار في هذا الحفل المولدي واستجابة لطلبات المستمعين أعادت بث وقائعه إذاعة (فرنسا المغرب) عديد المرات. والرغبات ملحة من مدن فرنسية وبلجيكية في تنظيم دورات أخرى لمهرجان الإنشاد الروحي تعميما للفائدة. وكانت باريس آخر محطات هذه الاحتفالات المولدية وذلك في الزاوية الشاذلية المحمدية في ( شاتيون ) بباريس والتي يديرها الدكتور عبد السلام لدوز (وهو طبيب أسنان فرنسي) شاذلي لا يغيب عما يجري في المغارة والمقام منذ فترة السبعينات من القرن الماضي وكان هذا الحفل الذي حضره عدد كبير من المحبين عبارة عن سرد لقصة المولد وأمداح نبوية وصلوات من دلائل الخيرات للإمام الجزولي. أما مسك الختام هنا في تونس ليلة الجمعة بين صلاتي المغرب والعشاء حيث تمت أختام للقرآن الكريم ولكتاب (الشفا) ولكتاب (دلائل الخيرات) بجامع مقرين العليا كانت مشفوعة بدعاء الختم وإقامة صلاة العشاء. نسال الله تبارك وتعالى إن لا يحرمنا من شهود هذه المجالس الربانية العطرة وان يجعلها خالصة لوجهه الكريم انه سبحانه وتعالى سميع مجيب. (ربيع الأول 1429-2008)