التبرع بالأعضاء وزرعها...بين الحاجة الماسة إليها ورأي الشرع فيها (العلماء والمجامع الفقهية)

التبرع بالأعضاء وزرعها...بين الحاجة الماسة إليها ورأي الشرع فيها (العلماء والمجامع الفقهية)


نعم الله على عباده كثيرة لا تحصى واجل هذه النعم نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم وهي نعمة اختص بها واصطفي لها من سبقت لهم منه العناية فشرح صدورهم للإسلام “من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام” وتأتي نعمة الصحة والعافية في الدرجة الثانية مباشرة إذ هي التي تجعل من حياة الإنسان مع الإيمان والتقوى حياة هنيئة لا يؤثر فيها كل ما يعرض ويحدث من صعوبات وأتعاب. ولا يدرك أهمية الصحة والعافية إلا من فقدهما فأصبح طريح الفراش يعاني الآلام المبرحة. فهذا المصاب المبتلى لو عرض عليه في مقابل أن تعود إليه صحته وعافيته كل ما بين يديه من مال وجاه وغيرهما لدفعهما راضيا، فقد كان قبل مرضه متوجا بتاج العافية والتي لا يدرك قيمتها وأهميتها إلا عندما يراها عند غيره من المعافين ولذلك جاء في الأثر “العافية تاج على الرؤوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضى”. التوكل على الله لا يعني ترك التداوي * والغالب على أحوال الناس هي الصحة والمعافاة والأمراض طارئة وعدد المرضى بالنسبة للأصحاء المعافين ضئيل لا يكاد يذكر لأجل ذلك فإن للإنسان (في الفترة التي هو فيها على تلك الحالة من المرض) له في المرضى المحيطين به من أقارب وأجوار وغيرهم مواعظ للتدبر والتذكر لما لا يزال يرعاه به الله سبحانه وتعالى وما يدفعه إلى تقييد تلك الرعاية بالشكر الحقيقي الفعلي حتى يحفظ الله عليه تلك النعمة ويزيده منها إذ هو القائل في محكم التنزيل (لئن شكرتم لأزيدنكم). * وهدي الإسلام في التعامل مع المرض والمريض يجمع بين عدم اليأس والقنوط من رحمة الله وروحه إذ أن مع العسر يسرا وان الله على كل شيء قدير فكم من مريض طريح الفراش لا يكاد يحرك ساكنا عندما اخذ بالأسباب المادية والمعنوية الروحية عافاه الله وشفاه وعاد إلى سابق نشاطه وحيويته وعطائه وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التداوي وأمرنا بذلك إذ ما من داء إلا وله دواء وقال عليه الصلاة والسلام (ألا فتداووا). ويبقى أمر الأجل بيد الله لا يعلمه إلا هو. والمسلم مأمور بالأخذ بالأسباب في كل أموره وشؤونه لا يتنافى ذلك ولا يتعارض مع الإيمان بالله والتوكل عليه، والنصوص القرآنية والنبوية العامة تنطبق على المرض كما تنطبق على غير المرض من سائر أحوال الإنسان يقول جل من قائل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ويقول عليه الصلاة والسلام لذلك الذي ترك ناقته مطلقة بدعوى التوكل قال له ولسواه (إعقلها وتوكل). ولم نسمع ولم نقرأ لعالم من السلف أو من الخلف رأيا يدعو إلى ترك العلاج عند المرض بل على العكس من ذلك يعتبر العلماء عدم التداوي إلقاء بالنفس إلى التهلكة وأضرارا بها والحديث الشريف صريح في نفي الضرر قال عليه الصلاة والسلام (لا ضرر ولا ضرار) وجاءت القاعدة الفقهية مؤكدة على هذا المعنى (الضرر يزال). واعتبر العلماء كلية الحفاظ على الأبدان -وهي إحدى الكليات الخمس- مقدمة على كلية الحفاظ على الأديان وقد نصت على هذا المعنى بوضوح وتصريح الآية الكريمة (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وقد ذهب الفقهاء في هذا الاتجاه التيسيري الذي ينفي على المسلم أدنى حرج (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) حيث قرر الفقهاء قاعدة جليلة تمثل قمة الحفاظ على سلامة الأبدان وعافيتها وهي أن (الضرورات تبيح المحظورات) ولسنا في حاجة إلى إيراد الأمثلة على ذلك فهي معروفة ومفصلة في بطون كتب الفقه على مختلف مذاهبه. هدي الإسلام في المرض والتعامل مع المرضى أما هدي الإسلام في التعامل مع المريض فهو أيضا مجال رحب وفسيح يجسم معاني التراحم والتضامن والتكافل بين المسلمين ويؤكد أيضا الحكم والمغازي والفوائد لكل ما يطرأ على المسلم إذ في كل ذلك الخير كل الخير للمسلم وليس معنى هذا أن المسلم يتمنى المرض أو يسعى إليه أو يخضع لكابوسه فلا يسعى إلى التخلص منه ولكن الذي قصدناه هو أن المريض الصابر-مع التداوي-يصبح مرضه سبيلا لتحصيل الأجر والثواب إذ المريض مصاب ومبتلى والرسول عليه الصلاة والسلام يقول (أشدكم بلاء الرسل ثم الأنبياء يبتلى المرء على قدر دينه فإذا وجد فيه صلابة زيد له) ويقول عليه الصلاة والسلام (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إذا أعطى شكر فله اجر وإذا أصيب صبر فله اجر) فالمؤمن مثاب في كل أحواله شريطة أن يصبر، وقد أوصى الله عباده بالصبر (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) والصبر نصف الإيمان والله تبارك وتعالى يوفي الصابرين (أجرهم بغير حساب). ولقد جعل الإسلام من حق المسلم على أخيه المسلم إن هو مرض أن يعوده ففي ذلك مواساة له وتخفيف عليه وتسلية وتصبح هذه العيادة ذات مردود ايجابي على المريض والمعافى القائم بواجب الزيارة إنها بالنسبة لهذا الأخير فرصة للتدبر والاعتبار والتذكر لنعمة الصحة التي هو عليها حال عيادته لذلك المريض ولا شك أن ذلك سيكون دافعا لفعل الخير وترك الشر واجتنابه. كما أن هذه العيادة فرصة لتحصيل الأجر والثواب إذ عند رؤوس المرضى تتنزل الرحمات فهم الضعفاء الذين أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال (أبغوني في الضعفاء) وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة (عبدي مرضت ولم تعدني؟ فيقول العبد لربه: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: أما علمت أن عبدي فلان مرض أما إنك لوعدته لوجدتني عنده) فعند رأس المريض يجد العائد رضوان الله وتقبله لصنيع عبده ويحصل هنالك على الثواب والأجر العظيم. ولان المسلمين كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى فإن هذا التداعي عند إصابة أحد أفراد المجتمع يصبح واجبتا على الأقل على الأهل والأقارب من ذوي الأرحام وهو معنوي ومادي. الطب والعلم يوسعان من مجالات التراحم والتضامن ولقد تقدم اليوم العلم والطب ليجعلا من التراحم والتضامن بين المسلمين يتسع مجاله وميدانه وأصبحنا نسمع ونرى بأعيننا مرضى ومصابين تساهم في التخفيف عليهم ومعافاتهم كليا مساهمات سخية تنم عن رحمة ورأفة وشفقة جسمها في الحيز الفعلي أقاربهم وذووهم وأخوتهم في الدين والإيمان رأينا ذلك في المسارعة بالتبرع بكمية من الدم لمريض تجرى له عملية جراحية دفع إلى هذا التبرع إيمان قوي وروح مليئة بالرأفة والرحمة فاندفع صاحبها يبذل بسخاء من دمه من اجل إنقاذ حياة مصاب. ومضى هذا الصنيع الذي هو صنيع معروف ليصبح بالنسبة للبعض سنة متبعة لا يتخلف عنها ومما يشجع على المضي فيها ما تحاط به عملية التبرع من دقة وعناية فائقة وإحتياطات شديدة بحيث تكون مأمونة العواقب على المتبرع والمتبرع له وأصبح والحمد لله للدم بنك بفروعه يستعد لكل الحالات الطارئة ويحسب لها ما ينبغي من الحساب. ولم يتأخر الفقهاء المستنيرون عن تقديم السند الشرعي الذي يطمئن المسلم بل يدفعه لتحصيل الأجر والثواب من هذا الباب الذي لا يمكن إلا أن يدخل تحت الحديث الشريف الذي يعد بتفريج كرب من فرج كرب أخيه المؤمن وهل هنالك كرب اشد من المرض والألم؟ * وتقدم العلم والطب وتمكن الأطباء الجراحون في اختصاصات مختلفة أن يستأصلوا من أجساد مرضاهم أعضاء تعطلت كليا عن أداء أدوارها داخل جسم المريض وأمكنهم أن يزرعوا في مكانها أعضاء أخرى تأتت من متبرعين أحياء أو أموات وأمكن اليوم إجراء عمليات جراحية دقيقة لمصابين بالعجز الكلوي وآخرين مصابين في قلوبهم وأكبادهم، قامت بهذه العمليات باقتدار وكفاءة عالية فرق من المختصين ومساعديهم. ويعيش اليوم بين الناس معافين من كانوا بالأمس شبه ميؤوس من شفائهم. * وطرح موضوع التبرع بالأعضاء على الضمير الإسلامي وتفاوتت الردود والإجابات وعرض الموضوع على المجامع الفقهية التي تضم نخبة من الفقهاء إلى جانب عدد من الأطباء المختصين لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره وبعد أخذ ورد وبالاستناد إلى بحوث مستفيضة ودراسات معمقة صدرت عن هذه المجامع القرارات المطمئنة للقلوب المعتبرة أن التبرع بعضو لا تتوقف عليه حياة المتبرع يعتبر ولا شك بابا من أبواب المعروف والصدقة وتفريج كرب مكروب فاطمأنت آنئذ القلوب. قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة في نقل الأعضاء قرار رقم (1) د 88/08/4 يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيا أو عضويا. يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيا كالدم ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية وتحقق الشروط المعتبرة. تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية. يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له. الحاجة إلى مزيد التحسيس والتوعية * وما يحتاج إليه اليوم الناس هو المزيد من التحسيس والتوعية أولا بضرورة التضامن والتآزر والتراحم بين المسلمين وذلك أمر في الإسلام واضح وجلي تؤكده وتلح عليه عشرات النصوص القرآنية والنبوية فالتبرع بالدم أو الأعضاء لإنقاذ نفس أو أنفس بشرية يدخل ولا شك في إطار التراحم والتضامن والتآزر، فهو مندرج تحت عموم الآية القرآنية (ومن أحياها (نفس) فكأنما أحيا الناس جميعا). * كما أن الناس يحتاجون بواسطة أهل الذكر والاختصاص من الأطباء والعلماء إلى ما يطمئن قلوبهم إلى العلامات الفعلية للموت والوفاة، فالتبرع من حي لحي بعضو لا تتوقف عليه الحياة (إحدى الكليتين مثلا) لا إشكال فيه. التوقف هو في الأخذ من الميت الذي تبرع في قائم حياته بعضو من جسده لإنقاذ مريض أو مرضى، متى يعتبر هذا المتبرع قد مات؟ وقد عرضت هذه القضية على العلماء والمجامع الفقهية وصدر فيها قرار يطمئن الأنفس. قرار مجمع الفقه الإسلامي حول تحديد الوفاة المنعقد في دورة عمان بالأردن من 11 إلى 16 أكتوبر 1986 القرار: يعتبر شرعا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين: 1) إذا توقف قلبه وتنفسه توقفا تاما وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. 2) إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا وحكم الأطباء الأخصائيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلا لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة. والله اعلم. نجاحات تونسية متوالية تدعونا إلى المؤازرة فقد صدرت القرارات المجمعية وصدرت القوانين المنظمة لعملية اخذ وزرع الأعضاء في عديد البلدان الإسلامية ومنها بلادنا (انظر القانون عدد 22 لسنة 1991 الصادر في 25 مارس 1991 الرائد الرسمي عدد 22) ورأينا النجاحات المتتالية التي يحققها الأطباء المختصون منها نجاح الفريق الطبي المختص بمستشفى سهلول بسوسة في زرع كبد لمريض تعطلت الكبد لديه كليا وهو بعد زرع الكبد السليمة له-معافى في صحة جيدة- وقد شاهدنا لقطات من هذه العملية الدقيقة والناجحة واطلعنا على الكلفة المادية والزمنية فضلا عن الخبرة الطبية والعلمية فأثلج صدورنا هذا النجاح الباهر لأطبائنا الذي يضاف إلى رصيدهم السابق من النجاحات (زرع الكلى والقلب بمختلف مستشفياتنا). فتوى سماحة الشيخ كمال الدين جعيط (مفتي الجمهورية التونسية سابقا)يقول الله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”. كرمهم الله بما جعل لهم من الاستعدادات وأودعها في فطرتهم. وبما مكنهم من التبديل والتغيير والتركيب والتحليل أي بما بلغوا الكمال المقدر للحياة. وقد أخذ العلم في التقدم وخصوصا علم الطب والجراحة، فقد بلغ شوطا بعيدا حتى تمكن من زرع الأعضاء من الحي للحي ومن الأموات للأحياء، ولا شك أن هذا التقدم العلمي هو من أعظم نعم الله على الإنسان ولذا نهانا الله عن اليأس فقال: “ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”. كما نهانا سبحانه عن قتل النفس والاعتداء عليها فقال تعالى: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهكلة”، وعقب ذلك بالأمر بالإحسان فقال “وأحسنوا إن الله يحب المحسنين” والإحسان هو فعل النافع الملائم وهو مطلوب في كل شيء يشهد لذلك ما جاء في الحديد الصحيح: “إن الله كتب الإحسان في كل شيء”، ومن الإحسان إحياء النفس حتى قال الله في كتابه الكريم: “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”. فمن أوصى ببعض أجزاء من بدنه لبعض إخوانه في الإنسانية ممن هم مفتقرون إليه، كان ذلك رحمة، يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، نعم شرط ذلك أن يكون من أهل التبرع، أي يكون عاقلا بالغا مدركا، ويجب على المجتمع تنفيذ وصيته، وجعل جثته تحت آلة الإنعاش حتى تبقى أعضاء جسده صالحة يمكن الانتفاع بها لمن هو محتاج إليها ويعتبر إذنه هذا في الانتفاع بأجزاء جثته من كرمه وكمال إنسانيته. وربما أجرى مجرى الصدقات الجارية. كيف لا وقد كان هذا إصلاح نفس، بل ربما إصلاح نفوس. ونورد هنا بتوفيق الله تعالى بعض أحكام نقل الأعضاء: إن المقصود بالعضو أي جزء من الإنسان من أعضاء (كلية، قلب، كبد...) ونحو ذلك من أنسجة (كقرنية العين ونخاع عظمي أو عظم إسفنجي) ومعنى الانتفاع الذي هو محل البحث هو استفادة دعت ضرورة أو حاجة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعا. تنقسم صور الانتفاع هذه إلى أقسام ثلاثة: أولا: نقل العضو من الحي، ثانيا: نقله من الميت، ثالثا: نقل الأعضاء التناسلية. 1- نقل العضو من الحي: الصورة الأولى نقل العضو من الإنسان نفسه إلى مكان آخر من جسده كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة ونحوها. وحكم هذا النقل الجواز باتفاق مع التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها. الصورة الثانية نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، وهنا ينظر إلى هذا العضو هل هو مما تتوقف عليه الحياة أو لا تتوقف عليه. ثم إن كان مما تتوقف عليه الحياة فقد يكون فرديا أي غير متعدد كالكبد والقلب. وقد يكون متعددا كالكلية والرئتين. ثم ما تتوقف عليه الحياة منه ما يتجدد إذا استؤصل جزء منه ومنه ما لا يتجدد إذا استؤصل. أولا: إن كان النسيج يتجدد تلقائيا كالنخاع العظمي فذلك جائز مع مراعاة كون ذلك جار على تحقق المصلحة الشرعية المعتبرة. ثانيا: يجوز نقل عضو أو نسيج استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر كأخذ عظم إسفنجي لإنسان ما عند استئصال العظم لعلة مرضية. ثالثا: إن كان العضو الذي استؤصل جزء منه يتجدد تلقائيا كالكبد فذلك جائز إذا كان هذا الاستئصال للجزء من الكبد لا يؤثر على صحة المتبرع. رابعا: إن كان العضو زوجيا كالكلى، يجوز التبرع بأحدهما شريطة التحقق من أن هذا التبرع لا يؤثر على الحالة الصحية والنفسية للمتبرع. خامسا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى آخر فإن مات فيجوز ذلك. وفي كل هاته الحالات الخمس يجب أن يكون المتبرع كامل الأهلية. ولا يجوز أن يكون التبرع بمقابل أي ثمن عن طريق البيع لذلك العضو أو النسيج، وذلك لأن الإنسان لا يملك نفسه إنما هو ملك الله ولا يجوز إخضاع أحد للبيع بحال من الأحوال. 2- نقل عضو من الميت: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته أو بشرط موافقة ولي الأمر إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له. أما نقل وزرع الغدة التناسلية فبما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه بقصد زرعها في متلق جديد فإن زرعها هذا محرم شرعا. أما التي لا تنقل الصفات الوراثية ما عدى العورات المغلظة فجائز لضرورة مشروعة وفق الضوابط والمعايير الشرعية. ونلاحظ أخيرا أنه إذا كتب الشخص وثيقة للتبرع بعضو من أعضائه بعد وفاته فتطبق على ذلك أحكام الوصية ولا يجوز للورثة أو لغيرهم تبديل الوصية. وبما أوضحنا حث للناس على التبرع بالأعضاء وخاصة بعد الوفاة، وانه لمن أعظم القرب إلى الله، إذ هي رحمة للإنسانية، ومن رحم الناس رحمه الله. رأي الشيخ محمد الحبيب النفطي عضو المجلس الإسلامي الأعلىيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه) رواه احمد ومسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه إن نقل عضو بشري إلى إنسان آخر يستحقه طبا ومعالجة لبعض المرضى إما أن يكون المنقول منه ميتا أو حيا فإن كان المنقول منه ميتا وكان قد أوصى أو أذن قبل وفاته فحينئذ فلا مانع من هذا النقل حيث لا يوجد دليل شرعي فيما اعلم يعتمد عليه في التحريم. وكرامة أجزاء الإنسان الميت لا تمنع من انتفاع الحي بها وذلك تقديما للأهم على المهم (والضرورات تبيح المحضورات) كما هي القاعدة الشرعية في أصول الفقه. وإن لم يوص الإنسان قبل وفاته ببعض أعضائه أو لم يأذن قبل موته فإن أذن أولياؤه جاز النقل وإن لم يأذنوا قيل بالمنع وقيل بالجواز ولا شك أن الضرورة في إنقاذ الحي تبيح المحظور وهذا النقل على الطريقة المذكورة لا يصار إليه إلا عند الضرورة كما ذكر وإن كان المنقول منه العضو حيا فإن كان الجزء المنقول منه يفضي إلى موت من نقل منه العضو وذلك مثل القلب كان النقل حراما سواء أذن المنقول منه أو لم يأذن لأنه إن أذن كان انتحارا والانتحار حكمه معروف وإن لم يأذن كان قتلا للنفس بغير حق وكلا الأمرين محرم شرعا كما هو معروف، وإن كان الجزء المنقول من الحي لا يؤدي إلى وفاة من نقل منه العضو باعتبار انه يمكن أن يعيش بدونه من نقل منه فينظر حينئذ فإن كان فيه تعطيل عن القيام بواجب أو إعانة على محرم كان هذا النقل حراما وذلك كنقل اليدين معا أو الرجلين معا بحيث يعجز المنقول منه عن كسب عيشه أو يسلك بعد النقل منه سبيلا غير مشروعة فهذا النقل لا يجوز شرعا وفي هذه الحالة لا يجوز النقل. أما نقل إحدى الكليتين أو العينين فذلك جائز شرعا لكن يتوقف النقل على إذن المنقول منه فإن لم يأذن المنقول منه كان النقل حراما وتعديا على حقوق الغير وكان مستلزما كذلك للعوض أما النقل من صبي أو مجنون فهو حرام إن كان بدون إذن وليهما والله أعلم. رأي الأستاذ محمود شمام عضو المجلس الإسلامي الأعلىوزراعة الأعضاء للعلاج والإسعاف ورفع الضرر ودفع العجز والتغلب على الاعاقة هي مظهر مشرف من علامات التقدم ما دام يسير في طريق خلقي سليم لا يناهض المبادئ الشرعية ولا يتجاوزها ولا يتخطى حدودها. والعلم أخذ في التقدم ويحث الخطى نحو مزيد من الاكتشافات والحقيقة أننا دخلنا في مرحلة جديدة متطورة يمكن ان ننعتها بعصر الانفجار العلمي في عدة مجالات. * وغرس الأعضاء وزرعها ونقلها يعد من قبيل المعالجة والتداوي وإزالة الضرر ودفع المفاسد ولذلك فهي عملية جائزة شرعا متى حققت شرائطها واستوفت أركان جوازها. ولاحظ العلماء الفقهاء أن نقل الأعضاء من الميت لإحياء نفس معرضة للهلاك أمر جائز لأنه سبحانه وتعالى يقول (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) أي فمن أنقذ نفسا من الهلاك وأحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.