الإسلام دين التيسير والتلقائية ومراعاة طبيعة الإنسان والحياة

الإسلام دين التيسير والتلقائية ومراعاة طبيعة الإنسان والحياة


قال لي صديق: تمكنت في صبيحة يوم احد من متابعة برامج إحدى القنوات الأجنبية تمثلت في حصة دينية تداول عليها ممثلو الأديان: المسيحية واليهودية والبوذية والإسلام ومما لاحظته في هذا البرنامج الديني الذي توكل هذه القناة إعداده إلى ممثلي هذه الديانات وتترك لهم مهمة اختيار فقرات هذا البرنامج واستنباط طرق ووسائل تقديمه للمشاهدين، لاحظت أن الفقرات المسيحية واليهودية والبوذية تمتاز على الفقرة الإسلامية امتيازا ملحوظا في الشكل والمضمون: فقد طغت على الحصة الإسلامية صفة الجدية المبالغ فيها: زيّا، وطريقة نطق وموضوع خطاب مما جعل التلقائية والبساطة والقرب بعيدة عنها كل البعد، في حين بدت الفقرات المسيحية واليهودية والبوذية في غاية البساطة والتلقائية والغوص في الواقع الذي يعيشه الناس في بيوتهم وأماكن عملهم وفي المجتمع صاحب ذلك جو من السماحة وسعة الصدر والنزوع إلى التيسير وإدخال نَفَسِ الملحة والمزح الخفيف حتى تكاد الحواجز تكون غير موجودة بين هذه الفقرات ومتابعيها. في حين اضطر مقدم الفقرة الإسلامية مشاهديه إلى مزيد من الانضباط والوجوم والانقباض والتكلف!!! بحيث يستمع إليه من يستمع على مضض وينتظر نهاية كلامه بفارغ الصبر"!! تلك هي ملاحظات هذا الصديق الأمر الذي دعاني إلى بيان معالم منهج تقديم الإسلام بأسلوب يرغب ولا ينفر وييسر ولا يعسر وينفي ما يمكن أن يعتبر من صميم الإسلام وهو في الحقيقة والواقع ليس منه مما يتمثل في الجمود والتحجر والانغلاق والتزمت والتكلف الذي ما انزل الله به من سلطان!! نعم إن ما يعانيه خطابنا الديني في المساجد والمقالات والكتب والحصص المذاعة والمرئية في الغالب هو هذا الجمود الذي ابتدعناه وما فرضه الله علينا ولكنه القصور الذهني والعجز عن التفاعل مع المستجدات في كل ميادين الحياة والرضا بالمجهود البسيط والتواكل والتكاسل وكل ذلك انعكس على الخطاب الديني فأصبح هذا الخطاب منفرا عوض أن يكون مبشرا ومعسرا عوض أن يكون ميسرا!! ولست ادري من أين أتى هؤلاء بهذه التضييقات التي نهوا عنها بنص القرآن الذي حكى على سبيل الإنكار مسلك بني إسرائيل مع أنفسهم في أول عهدهم بالرسالة حيث (شددوا فشدد الله عليهم) (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم). إن الإسلام هو الدين الذي جعله الله تبارك وتعالى ليكون خاتم الرسالات والأديان وجعله الدين الذي لن يرضى بسواه من عباده (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وذلك لاتصافه بمجموعة من الخصائص والمميزات هي وحدها التي جعلته يبقى وجعلت التمسك به والاعتزاز بالانتماء إليه يبدو جليا لدى مختلف الفئات والطبقات، أهم هذه المميزات انه دين الملاءمة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها فهو دين يتعامل مع الإنسان كما هو أي كما خلقه وركّبه الله بثنائيتي: الجسم والروح والعقل والعاطفة مع كل ما يترتب عن ذلك من غرائز وطموحات ومطالب مشروعة، كل ما في الأمر هو أن الإسلام هذبها ووظفها لتحقيق مزيد من السعادة والراحة النفسية والجسمية للإنسان. إن الإسلام هو دين الفطرة النقية الطاهرة التي خلق الله عليها كل بني آدم (يولد الولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) هذه الفطرة خلق الله الناس عليها ولا يقبل منهم أن يبدلوها أو يغيروها. وهذا التعامل التلقائي مع الإنسان من طرف الإسلام جعله يقرر للمسلم: أن لا تعارض بين الدين والدنيا ولا تقابل بينهما وإذا كان هنالك من تقابل فهو على المستوى الزمني فقط فبين الدنيا والآخرة أما الدين فقد انزل لينظم الحياة الدنيا ويهذب ما انحرف من التصرفات فيها. ولهذا اعتبر الإسلام الحياة الدنيا مزرعة للآخرة واستنكر على الذين يحرمون زينة الحياة الدنيا (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين امنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة). لقد دعا الإسلام المسلم إلى الأخذ من الحياة الدنيا بنصيبه (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخر ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) وبشر المسلم إن هو استقام على الطريقة بأن يجازيه الله بجنتين: جنة في الدنيا هي ما يحفه الله به من النعم التي لا تحصى ولا تعد والتي أعلاها هذا الإيمان الذي عمر له به قلبه فأطمأن (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وما ينتظره في الآخرة من جزاء (ولمن خاف مقام ربه جنتان) اجل إن الدنيا في نظر الإسلام ليست جيفة قذرة، الحرام والشر والفساد منها هو الجيفة القذرة أما ما سوى ذلك من الطيبات فحلال مباح بل ينبغي أن يرى أثره على المسلم في أكله وشربه وملبسه ومسكنه وسائر مرافق حياته (إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده). إن الله تبارك يكره لعباده القذارة والرثاثة والابتذال ويدعو المسلمين إلى اخذ زينتهم عند كل مسجد ومادامت الأرض كلها مسجد فما على المسلم إلا أن يكون جميل المظهر والهندام في سائر أوقاته. كما ان المسلم مدعو إلى أن يدرك أن الله تبارك وتعالى في غنى مطلق عن عباده لا تنفعه حسناتهم كما لا تضره سيئاتهم ولهذا فانه سبحانه إذا يسر على عباده فلا ينبغي عليهم أن يأخذوا أنفسهم بالشدة فان هذا الدين متين والمؤمن مدعو إلى أن يوغل فيه برفق شديد بنفسه، وإذا ما أعطى الله لعباده رخصا فمن السنة ومن الإتباع والاقتداء بسيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام أن يأخذ المسلم بهذه الرخص عندما يحتاج إليها إن ذلك أحب إلى الله واظهر للافتقار إليه (إن الله يحب إن تؤتى رخصه كما يحب تؤتى عزائمه) أي فرائضه. والإسلام هو دين الوسطية والاعتدال إذ لا إفراط فيه ولا تفريط ولا ضرر ولا ضرار (وكذلك جعلنا كم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) وهذه الوسطية وذلك الاعتدال يقتضيان من المسلم أن يعطي كل الحقوق التي عليه: حق الله وحق النفس وحق الأهل وحق المجتمع. والمؤمن الحق هو من لا يهمل أي حق من هذه الحقوق، فليس بخير الناس من ترك دنياه من اجل آخرته ولا الذي ترك آخرته من اجل دنياه بل خير الناس من اخذ من كل منهما بنصيب. إن كثيرا من المتكلمين والكاتبين عن الإسلام يحلو لهم أن يقدموا الإسلام على انه الدين الذي يدخل الناس إلى القبور قبل الأوان ويزهدهم في الدنيا ويجعلهم أمام مأزق الاختيار بين أمرين أحلاهما مر: إما الدنيا أو الدين والحال أن المقابلة بينهما غير صحيحة على الإطلاق. فالاختيار ينبغي أن يعرض على الناس بين حياة تسودها القيم السامية والأخلاق الحميدة، حياة يسعد فيها الإنسان ويتحقق له فيها رضا الله وراحة الضمير. وحياة من نوع آخر يسودها الانحراف والظلم والعدوان وتطغى عليها شريعة الغاب وتنعدم فيها الطمأنينة بالإضافة إلى ما ينتظر من يختارها من عذاب اليم يوم القيامة. آنئذ سيكون الاختيار على النوع الأول من الحياة التي تسودها القيم الدينية التي تنظم للناس علاقاتهم ببعضهم البعض وترسم لهم منهج إرضاء ربهم سبحانه وتعالى. إن المطلوب ممن ينتصبون اليوم دعاة ومبلغين ومرشدين هو أن يستوعبوا مبادئ الإسلام ومقاصده وغاياته ثم يصوغوا على ضوء منها ما يعرضونه على الناس وهي عين الحكمة التي أمر الله بها عباده الذين يدعون إلى سبيله (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) انه ليس من الدين أن تحرم على الناس ما احل الله لهم، وليس من الدين أن نلزمهم بالحزن الدائم والعبوس المستمر. وليس من الدين أن نمنعهم من أن يروحوا على أنفسهم ترويحا بريئا يكسبهم مزيدا من النشاط والحيوية والإقبال على الله سبحانه وتعالى بشوق ونشاط. فالترويح على النفس ساعة بعد ساعة مما أباحته وندبت إليه الشريعة الغراء. وفي ديننا سعة ومرح على حد تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نهى صاحبه أبا بكر عن أن ينكر عمن وجدهم يتراقصون في يوم عيد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن المنهج الذي سلكه رسول الله في الدعوة بفعله وقوله هو ما ينبغي أن يستوعبه دعاة الإسلام. فقد كان عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رؤوفا رحيما فكان يلاطفهم وكان يمازحهم (كان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا حقا). وكان بشرا سويا يلاعب أبناءه بل يطيل سجوده من اجل من صعد منهم على ظهره وكان ينزل من فوق المنبر ليصعد بابنه على مرأى ومسمع من أصحابه. وعندما يستنكر عليه احد الأعراب بساطته في تعامله وتلقائيته ورفقه مع أبنائه الصغار وقد وجده يلاعب احدهم لا يملك الرسول إلا أن يرد عليه بقوله “ماذا تريد مني أن افعل لك إذا كان الله قد نزع من قلبك الرحمة من لا يَرحم لا يُرحم؟”. وكان عليه الصلاة والسلام يسابق زوجاته ولا يرى إلا مبتسما مشرق الوجه تلك كانت سيرته مع أهله وأصحابه وبتلك الطريقة كان يقدم الإسلام على انه دين الفرحة والسرور لا دين الحزن والتجهم وبذلك دخلت مبادئ الإسلام القلوب فملأتها ووجدت في الإسلام الراحة والتوازن والاعتدال. وما على دعاة الإسلام اليوم على مختلف الأصعدة من فوق المنابر وفي حلقات الدروس في المساجد وفي الحصص المذاعة والمرئية إلا أن يطوروا أساليبهم وطرقهم وينفضوا عنها الغبار ويستجيبوا بها لمعطيات ومستجدات الحياة وألا يجعلوا مستمعيهم ومشاهديهم يتركوهم إذ ليس بينهم وين هذه الحصص والبرامج إلا ذلك الزر الصغير يضغط عليه السامع والمشاهد.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.