اغتنام مواسم الطاعة للتزوّد بالتقوى: (وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى)
تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى الأيّام والليالي والأشهر كما تتفاضل الأماكن ويتفاضل العباد، فأفضل الخلق على الإطلاق هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وهؤلاء أفضلهم هو إمامهم وخاتمهم سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وتتميّز من بين الأماكن والأمصار مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وبيت المقدس على كلّ بقاع الأرض باعتبارها : حرم الله (مكة المكرمة) وحرم رسول الله (المدينة المنوّرة) وأولى القبلتين ومسرى رسول الله وثالث الحرمين (بيت المقدس) ولأجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة. *تفاضل الأيّام والليالي: 1/ فضل يوم الجمعة: وفي نفس السياق جعل الله الأيام والليالي تتفاضل عن بعضها البعض من ذلك أفضلية يوم الجمعة الذي هو عيد المؤمن وهو يوم أداء صلاة لا تكون إلا في هذا اليوم ولا تكون إلا في المسجد جماعة وهي صلاة الجمعة ويوم الجمعة هو سيد الأيام وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء. وإجابة نداء مؤذن صلاة الجمعة واجبة على المسلم القادر المقيم الحرّ العاقل (يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) و ترك البيع ليقاس عليه كل ما يمكن أن يشغل عن السعي لأداء هذه الصلاة مع المسلمين في المسجد. 2/فضل يومي الاثنين والخميس: وقد عددت السنة النبوية الطاهرة أياما أخرى ذات فضل عند الله سبحانه وتعالى مثل يومي الاثنين والخميس الذين ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين لصومهما صيام تطوع ونافلة تحصيلا للأجر والثواب من عند الله سبحانه وتعالى فقد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يستأذنه في صوم يوم الاثنين فأذن له عليه الصلاة والسلام وقال (ذلك يوم (الاثنين) ولدت فيه وبعثت فيه) فهو يوم مبارك وهل هنالك أفضل من هذين اليومين بالنسبة للمؤمن المسلم. فيوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اليوم الذي تجلى فيه الله سبحانه وتعالى برحمته على عباده فأذنت إرادته سبحانه وتعالى بنزول السيّد الكامل محمد بن عبد الله إلى هذا العالم ولأجل ذلك تحفظ لنا كتب السيرة والتاريخ أنه جدت في هذا اليوم أحداث عظام واستمع إلى أصوات عجيبة غريبة لا عهد للناس بسماعها تعبر كلها عن فرحتها بانبلاج فجر جديد وميلاد مخلص الانسانية جمعاء من كل صنوف الظلم والجور والظلام والعسر. كما أن يوم الاثنين هو يوم بعثته عليه الصلاة والسلام وهو يوم عظيم ولا شكّ لأنه يوم الإعلان عن الاختيار على سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليكون الرسول الخاتم الذي بشرت به توراة موسى واناجيل عيسى وهو اليوم الذي أعلنت فيه أمة سيدنا محمد خير أمة أخرجت للناس، وهي أمة تسع كل الأجناس والألوان والفئات، أمة الرحمة المعلنة في كتاب الله العزيز (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء الآية107 *يوم عرفة وفضله: ومن الأيام المباركة يوم عرفة اليوم الذي أعلن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس تمام الدين وكماله وتلا عليهم فيه قول الله تبارك وتعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة الآية3، وهو اليوم الذي ألقى فيه الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الخطبة الجامعة التي بين فيها المعالم لأمته حتى لا تضل من بعده وحتى لا يعود أفراد هذه الأمة كفارا يضربون أعناق بعضهم البعض مبينا فيها عليه الصلاة والسلام أن الشيطان قد يئس أن يعبد بعد ذلك العام إلاأنه رضي بما دون ذلك. ولهذا أعاد عليه الصلاة والسلام التذكير ببعض ما سبق أن نزل مبينا له وموضحا له الوحي. لقد ذكر عليه الصلاة والسلام بالواجبات والفرائض امرا بالمحافظة عليها باعتبارها السبيل الأمثل لتحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالى (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه) كما ذكر بما حرم الله على الأمة من كبائر وموبقات مهلكات في تجنبها عين الفوز والنجاة وذلك مثل القتل والزنا وشرب الخمر وأكل الربا والسرقة وأكل مال اليتيم ولم ينس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصي خيرا بمن هن حديثات عهد بالكرامة والاحترام والرحمة حيث قال عليه الصلاة والسلام (استوصوا بالنساء خيرا) واستعمل عليه الصلاة والسلام التشبيه والتمثيل قائلا لهم (ألا وان دماؤكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام) وبين كل تذكير وتذكير ووصية ووصية كان عليه الصلاة والسلام يقول: ألا هل بلغت اللهم فأشهد، ألا هل بلغت اللهم فأشهد ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب. ومنذ ذلك اليوم ويوم عرفة عيد عظيم من أعياد المسلمين يندب فيه للمسلم القيام بما يستطيع من القربات والطاعات كالصيام بالنسبة لغير الحاج وكل صنوف البر والطاعة شكرا لله سبحانه وتعالى. أما بالنسبة لمن يسر الله له سبيل الحج إلى بيت الله الحرام فيوم عرفة فهو لبّ الحج وجوهره حيث يقول عليه الصلاة والسلام (الحج عرفة) ومن فاته الوقوف بعرفات يوم عرفة فاته الحج. وهو يوم التجلي من الله سبحانه وتعالى على عباده الشعث الغبر الذين جاؤوا من كل فج عميق والذين يقفون على صعيد واحد في ثياب الإحرام الأبيض في مشهد مصغر للقيامة، هؤلاء الواقفون على عرفات كل عام يباهي بهم الله سبحانه وتعالى ملائكته ويشهدهم على رضوانه على عباده حجيج بيت الله الحرام وغفرانه لهم سبحانه وتعالى يقول (هؤلاء عبادي أتوني من كل فج عميق ألا أشهدكم اني قد غفرت لهم) فيخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فكيف لا يكون هذا اليوم من أفضل الأيام بالنسبة للمؤمن؟ وكيف لا يسعى جاهدا لكي يدركه هناك على عرفات مع حجيج بيت الله الحرام ضيوف الرحمان؟ وكيف لا ينفق الغالي والنفيس للإحراز على هذا الأجر العظيم والثواب الكبير؟ وكيف لا يجتهد في الطاعة والعبادة فيه من بعدت به الدار لعله يدرك بعضا من هذا الخير الكبير؟ إن الشيطان عليه لعنة الله لا يرى في يوم من الأيام أضأل من مثل ما هو في يوم عرفات يوم الرحمة والغفران والتجاوز عن السيئات لمن أخطأ وجانب الصواب. *العيدان: الفطر والإضحى تتويج لعبادتين: ومن الأيام المباركة بالنسبة للمؤمن يوم عيد الفطر ويوم عيد الإضحى وكل منهما يأتي تتويجا لعبادة وطاعة: عبادة الصيام الذي ينسبه الله إليه (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به) والصوم هو عبادة الإخلاص لله سبحانه وتعالى وهو الذي لا يقبل من عباده إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم وعبادة الحج والحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة الحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال، ولأجل ذلك فالعيدان يومان مباركان وهما يوما فرحة وسرور وشكر لله عزّ وجلّ على ما وفق إليه عباده المؤمنين من القيام بطاعته وعبادته والتغلب على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وذلك هو الجهاد الأكبر. *فضل أيام وليالي رمضان: ليلة القدر التكريم لمحمّد صلى الله عليه وسلم وأمته: ومن الأيام المباركة والليالي المباركة كل أيام وليالي شهر رمضان المعظم، هذا الشهر الذي تصفد فيه الشياطين وتطلق فيه الملائكة وتغلق فيه أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنة وهي أيام وليال يتضاعف فيها الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. ويبلغ الأمر قمته في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، إنها ليلة التكريم الإلهي لأمة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، ليلة تضاعف فيها الطاعات ألف شهر لتصبح أعمال العبد المسلم في نهاية المطاف عند الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من العمل الصالح ما لا يمكن أن تدركه أمة أخرى كل ذلك استجابة لما يجيش في قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من مشاعر الحب والرأفة لأمته هذا النبي العظيم وهذا الرسول الكريم الذي سجد تحت عرش الرحمان يبكي ويسأل الله لأمته العفو والعافية والغفران والشفاعة والفوز ووعد هناك في ذلك المقام الأرفع الذي لم يصله نبي مرسل ولا ملك مقرب بأن الله سيرضيه في أمته (ولسوف يعطيك ربّك فترضى) الضحى الآية5، ليلة القدر من شهر رمضان من كل عام هي ليلة الإضافة إلى رصيد الأمة المحمدية إكراما لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه جل من قائل (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فمن قام هذه الليلة من ليالي شهر رمضان المعظم فهو لا شك من السعداء، إنها ليلة السلام إلى مطلع الفجر (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر) القدر من الآية1 إلى 5 ، فهنيئا للأمة المحمدية بهذه الليلة المباركة المتجددة كل عام التي تصبح بها أعمار أمة سيدنا محمد أطول عمليا من كل الأمم وهو طول في الخير والأجر والثواب الذي يحصل للمؤمن الموفق كل ذلك إكرام من الله لنبيه وحبيبه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي تقاصر أعمار أمته التي هي كما قال بين الستين والسبعين وذلك بالمقارنة باعمار من سبقوا من الأمم، فإذا بالمولى سبحانه وتعالى يكرمه في أمته بتخصيصهم بهذه الليلة المباركة في كل عام وفي شهر رمضان المعظم في العشر الأواخر منه وفي الوتر من هذه الليالي المباركة. *رجب شهر مبارك: ومن الأشهر المباركة سوى شهر رمضان المعظم شهر رجب وهو شهر عظيم الشأن درج السلف الصالح على الاجتهاد فيه بالطاعت والقربات من صيام وصلاة وذكر ودعاء وصدقة وإحسان وإقلاع عن إتيان المعاصي والذنوب ودون أن نأتي بالآثار التي قد تقبل أو ترد فإن الثابت واليقيني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخص هذا الشهر والشهر الذي يأتي بعده شعبان بالمزيد من القربات والطاعات ويجتهد في ذلك أيما اجتهاد، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدي من الله للأمة كي تقتدي به وهي مأمورة بذلك في كتاب الله العزيز حيث يقول جل من قائل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب الآية21. وأهله عليه الصلاة والسلام والمقربون منه يذكرون من صنوف احتفائه بهذا الشهر والشهر الذي يليه شعبان ما يدعو المؤمن ان لا يكون من الغافلين وغير المعتبرين الذين يضيعون الفرص. ذلك ان ما يمضي من الأيام والليالي والأشهر والسنوات لا يعود والكيّس الفطن من اغتنم هذه الفرص حتى لا يتجرع الغصص ويندم ولات ساعة مندم فوقت المؤمن محسوب عليه وهو مسؤول لا محالة عن كل لحظة من وقته في ماذا قضاها وصرفها. ولا شكّ أن العمل بمثل ما يتضاعف في الخير في بعض الأماكن والأيام والأشهر فإنه أيضا في الشرّ يثقل صاحبه ويكون العقاب عليه أشدّ فالأيّام واللّيالي والأماكن والأشهر المباركة لا أقلّ من أن يجتهد فيها المؤمن في ترك ما يغضب الله من الذنوب: كبائرها وصغائرها وإن أضاف إلى ذلك مع القيام بما فرض الله من عبادات (الصلاة) نوافل فبخ على بخ لأن القائم بذلك سالك لسبيل الوصول إلى تحقيق مرضاة ربّه سبحانه وتعالى فقد ورد في الحديث القدسي (لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنّه وما تبرمت بشيء أنا فاعله كتبرمي بقبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) هذا الشهر فرصة لا ينبغي على المؤمن أن يضيعها، وهي مناسبة للتصالح مع الله سبحانه وتعالىى والإقبال عليه والإعراض عن كلّ ما يغضبه، إنّها فرصة للتوبة النصوح إلى الله الغفور الرحيم الذي يقول مبشّرا عباده المؤمنين (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر الآية53، إنه سبحانه وتعالى أفرح بتوبة عبده المؤمن من فرحة صاحب الراحلة التي عليها الزاد والماء ويفقدها صاحبها في الصحراء وبعد جهد كبير في البحث عنها ييأس صاحبها فيأتي إلى المكان الذي فقدها فيها راحلته فينام فلما يستيقظ يجد الراحلة بجانبه وعليها الزاد والماء إن فرحته التي لا يمكن تصورها لما وجده بعد يأس هي دون فرحة المولى سبحانه وتعالى بتوبة عبده المؤمن رغم ان المولى سبحانه وتعالى في غنى مطلق عن طاعات المطيعين ولا تضرّه سيّئات المذنبين ومع ذلك فإنه سبحانه وتعالى يحب لعبده ان يقبل عليه ويجتنب اتباع خطوات الشيطان اللعين الذي يرغم الله أنفه بما يتيحه للعبد المؤمن من فرص التوبة والإنابة والغفران ومحو السيّئات والذنوب حيث يقول جلّ من قائل (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء الآية48 ويقول (و رحمتي وسعت كلّ شيء) الأعراف الآية 156، وبشّر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الخير العميم الذي أعده لهم ربّهم واختصهم به دون سائر الأمم، المهمّ هو صدق العزم وإخلاص النيّة في التوبة إلى الله توبة نصوحا تجعل من السيّئات حسنات وتضاعف الحسنات أضعافا مضاعفة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال (يبلغ المرء بنيّته ما لا يبلغه بعمله) وهكذا كان ولا يزال هذا الشهر المبارك شهر رجب موسما دينيا يجتهد فيه المسلمون في الطاعات و القربات بمختلف مظاهرها وانواعها سواء كانت صلوات أو أذكارا أو صدقات ومبرات وسائر أعمال المعروف اقتداء بالحبيب عليه الصلاة والسلام الذي يقول المولى سبحانه وتعالى في حقّه (قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله) آل عمران الآية31 وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص هذا الشهر والذي يليه شعبان بالمزيد من الصوم والصلاة والذكر والتسبيح وفعل الخيرات تقربا إلى الله سبحانه وتعالىى وشكرا له وهو عليه الصلاة والسلام الذي يجيب من سأله عن موجب اجتهاده في العبادة والطاعة وقد غفر له ما تقدّم وما تأخّر فيقول عليه الصلاة والسلام (أفلا أكون عبدا شكورا) وكيف لا يشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه بالاجتهاد في الطاعة في كلّ الأشهر والأيام والليالي، وقد خصه بما خصه مما لا يتسع المجال لذكر بعضه ولكن لا غنى لنا عن التذكير بما كرمه به سبحانه وتعالى في مثل هذا الشهر ففي ليلة السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة إلى المدينة تلقى دعوة ربانية كريمة وقام برحلة أرضية جوية وسماوية هي الإسراء والمعراج به عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة من جوار بيت الله الحرام إلى المسجد الأقصى في الأرض المباركة فلسطين وقد اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر ولم يبق له سند سوى الله سبحانه وتعالى فقد ماتت السيدة خديجة ومات عمه أبو طالب وصدته قريش وردّه أهل الطائف ويئس من القريب والبعيد وضعفت قوته عليه الصلاة والسلام فإذا بالمولى سبحانه وتعالى يخصّه بمعجزة خلّد ذكرها القرآن الكريم حيث قال سبحانه وتعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) الإسراء1 فشهر رجب شهر عظيم الشأن وهو موسم جدّ واجتهاد لا نخال المؤمن يغفل فيه عن القيام بما اوجبه الله عليه أو يقدم فيه على اقتراف الذنوب والمعاصي ولا شكّ أن المؤمن سيجد في نفسه قوّة ونشاطا لتقديم المزيد من الخير والعمل الصالح قولا وفعلا ومعروفا ليجد ذلك في صحائفه يوم الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى ولا بدّ للمؤمن أن يكون مستعدّا لذلك تم الاستعداد ولا شكّ أن مثل هذا الشهر رجب وما بعده شعبان ورمضان هي كلّها أشهر خير وبركة وطاعة وتزوّد بخير زاد عملا بقول الله تبارك وتعالى (وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى) البقرة، حتى تبقى للمؤمن في بقية أشهر السنة شحنة روحيّة تحجزه عن اقتراف الذنوب والمعاصي وفعل الشرّ والإضرار بالغير وحتّى تدفعه هذه الشحنة الروحية إلى القيام بما أوجبه الله تعالى على عباده من فرائض هي حقّ الله على عباده (و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) وتكون هذه العبادة خير مصلح ومرشد للمؤمن في سائر تصرفاته ومعاملاته مع من خلق الله وما خلق.